تاريخ انشاء قرية لطلاطة في قلعة صالح في ميسان / عبد الاله السباهي

    شاطر
    avatar
    علي كاظم الربيعي

    المساهمات : 304
    تاريخ التسجيل : 15/05/2011

    تاريخ انشاء قرية لطلاطة في قلعة صالح في ميسان / عبد الاله السباهي

    مُساهمة  علي كاظم الربيعي في السبت مايو 28, 2011 1:16 am

    تاريخ انشاء قرية لطلاطة في قلعة صالح في ميسان / عبد الاله السباهي
    ------------------------------------------------------
    سلمان المندائي ولد في نهاية القرن التاسع عشر كما يقال
    وهكذا أضيف اسم سلمان للملايين الثلاثة التي كانت تعيش في بلد اسمه العراق ( ارض السواد وبلاد مابين النهرين وارض الحضارات )
    ولسوء طالع سلمان، إنه عاش في أسوأ حقبة في تاريخ هذه الرقعة من الأرض التي اسمها العراق.
    كانت الزراعة في تلك الأيام هي المورد الأساسي الذي يعتمد عليه الناس في قوت يومهم. وعلى الرغم من المساحات الزراعية الواسعة، والأرض الخصبة التي ترويها أنهار خالدة، فكان كل ما يزرع من الأرض، هو جزء صغيرا جدا لا يتعدى سبع الأراضي الخصبة القابلة للزراعة.
    يذهب نصف محصول ذلك الزرع إلى المستعمرين الأتراك، على شكل ضرائب وإتاوات، ثم يتربع الإقطاعيون، مفترشين الأرض لتقاسم النصف الثاني. فيأخذوا ما استطاعوا أخذه من المحصول الذي سقي بعرق الفلاحين، هذا إذا سلم من غزو أسراب الجراد. وبعد ذلك يرمون بما تبقى من هذا الفتات إلى الملايين الجائعة والتي كان الموت يلاحقها دائما على شكل جوع وطاعون وجدري وكوليرا، أو على شكل فيضانات لا تنتهي وإلى آخر وسائل الموت الجماعي.
    بعد أن تعب إله الموت من لهوه في قتل الآلاف في فيضانه عام مولد سلمان، والذي لم يقتصر فيه على قتل البشر، وإنما قضى على المزارع والبساتين. فبعد أن قتل البشر وأباد مليون نخلة، راح يأخذ قسطا من الراحة.
    وفي هذه الفسحة من الزمن الصعب، يجد سلمان فرصته في الولوج إلى هذا العالم ليزيد فيه عدد البائسين بائسا آخر .
    لا أعرف كيف استطاع مخرج هذه الدراما أن يأتي بسلمان في تلك الفترة الرهيبة بالذات؟ ولم أجد تفسيرا مقنعا في إعطائه فرصة العيش والعمل لا بل حتى تعلم القراءة والكتابة. في الوقت الذي لم يجد فيه الناس ما يقتاتون به. فلم يكن في عموم العراق كله سوى 160 مدرسة، بما فيها المدارس الخاصة والتي استأثرت بها مدينة بغداد والمدن الكبرى .
    شب سلمان طويل القامة. قوي البنية . شديد السمار ككل العراقيين الأقحاح. ولما أصبح رجلا غطت وجهه لحية كثة* لم تبقي من معالم وجهه، سوى عيون حادة الذكاء وأنف تخطى الحجم المعتاد.
    كانت تربية سلمان الدينية صارمة. فقد كان ينزل النهر كل يوم في الصباح الباكر ليرتمس فيه ثم يتوضأ ويقيم صلاته، ولم يمنعه برد الشتاء القارص ولا صيفه المغري بنوم الضحى.*
    رغم هذا الورع وهذا الزهد، كان سلمان شاعرا غزلا، وفنانا لم يجد فرصته في ذلك الزمن الصعب.
    اقترن صاحبنا بفتاة اسمها ( حيهن ) وكانت هي الابنة المدللة الوحيدة لرجل الدين الأكبر في مدينة عربية كان اسمها ومنذ القدم (الحويزة) قبل أن يبدل اسمها إلى ( دشت ميشان ). كان ذلك في بداية القرن العشرين،لا أحد يعرف بالضبط متى وكم كانت أعمار العروسين، ولكن ابنتهم البكر ولدت عام 1917 ، وإذا أخذنا بالاعتبار أن زيجات البنات كانت تتم مبكرا في تلك الأيام فإن حيهن ربما ولدت في مطلع القرن العشرين.
    كان زواج سلمان بعيد جدا عن غزله ومشاعره المرهفة، وكأنه أراد بتلك الزيجة أن يضمن وسيلة مؤكدة للتقرب بها إلى الله.
    راحت حيهن تنجب له الأطفال بفترات متباعدة. فقد كانت دائمة الخصام معه. لفقره حاله قبل كل شيء ثم لترحاله الدائم سعيا وراء الرزق. والذي ظل شحيح على الرغم من سعيه ومثابرته وتعدد مواهبه.
    لقد تميز سلمان على أقرانه في إجادته الصنعة، فكان صائغا فنانا للحلي الذهبية والفضية. ذلك الفن الذي هو السبب ربما وراء ذلك الفقر الدائم . كان يتأنى في صناعة الحلي لتأتي رائعة الجمال، كاملة الصنعة. فينفق الوقت الطويل لأجل ذلك الكمال، ولكن الأجر الذي يتقاضاه كان قليلا ولا يختلف عن ما يتقاضاه غيره. فالفن كان يعّد رفاها في ذلك الزمان. ورغم ذلك ظل سلمان مخلصا لفنه الذي لم يجني منه سوى زعل حيهن. والتي كانت تهرع إلى بيت أبيها كلما وجدت سببا للخصام، وما أكثر تلك الأسباب التي كانت تجدها تلك المرأة المدللة في عيشها مع سلمان .
    لوّ كان لي برا و فرضا
    لسرت في الأرض طولا وعرضا
    يبدأ سلمان رحلته السنوية فجر يوم الاثنين الأول من شهر آذار. يرافقه ابن أخته زهرون. وهو صبي في أول العمر لم يبلغ بعد مبلغ الرجال.
    كان زهرون شديد التعلق بخاله، وهكذا كان الخال يحنوا بدوره على هذا الصبي الذي تيتم صغيرا. فكان يحرص على تعليمه أسرار الصنعة والقراءة والكتابة وأصول دينهم الموغل في القدم. فهم آخر من تبقى من أهل العراق الأوائل. إنهم بقايا السومريين كما يعتقدون ويعتقد ذلك غيرهم.
    ترافقهم في سفرهم أتان صغيرة بيضاء تعبت معهم من كثرة الترحال فبرزت أضلاعها. كانت تنقل لهم السنادين والمطارق وموقدا من الطين يعود تاريخ اختراعه لأيام أجدادهم السومريين وغيرها من العدد، والتي صنع معظمها سلمان بيده .
    كانت حيهن تعد لهم متاع السفر من التمر المدقوق بالجاون * .فبعد أن يمزج التمر المهروس بالسمسم المقشر والمطحون مع حبات من الينسون تصنع منه كرات صغيرة، لا تدخل الفم مرة واحدة وإنما بعدة قضمات.تكون تلك الكرات ( فلّ ) شهية ومغذية وتظل محافظة على قيمتها الغذائية زمنا طويلا .
    وللمندائيين يوم خاص لدق الفل وهو تقليد ارتقى إلى أن يكون أشبه.بالعيد. والفل خير علاجا للجوع في وقت السفر. ثم تضع لهم كيسا من الخبز وكمية من التمر الخضراوي المكبوس في الحلان من العام الماضي وقربة ماء وبعض الأغطية ثم تسكب طاسه من الماء خلفهم طردا للشر.
    لم أعرف سببا وجيها لسفرهم في كل مرة إلى شمال العمارة. فلم يصادف أن سافروا إلى الجنوب سوى مرة واحدة. وربما كانت هي السبب في سفرهم إلى الشمال دائما .
    حدث هذا عند مشارف هور*العمارة .
    كان الشيخ فالح من كبار شيوخ عشيرة( البو محمد ) قد سمع بسلمان وأراد أن يمتع ضيوفه بأشعاره ونوادره، ويجعل من زواج ابنه البكر فرصة للمباهاة. فاستدعى سلمان لحضور العرس وليصوغ ( النيشان ) حلي العروس .
    جاء وكيل الشيخ المقيم في مدينة العمارة، إلى سلمان في قريته وأعطاه تسع ليرات ذهبية عثمانية ليصوغ منها نيشان العرس. وأمره بجمع عدته ويسافر فورا إلى مضيف الشيخ وسط الهور. ثم أعطاه بضع ربيات كتقدمة عن جهوده تركها سلمان مع حيهن لتدبر أمرها بتلك النقود.
    وجد سلمان في هذه السفرة فرصة مناسبة قد تفتح باب الرزق عليه لما اشتهر به شيوخ تلك المناطق من ثراء فاحش.
    خاطت حيهن كيسا من القماش ليحفظ الليرات في داخله وعلقته في رقبة سلمان بعد أن أحكمت إغلاقه خوفا عليها من الضياع.
    راح سلمان يلملم عدة العمل ولوازم السفر الأخرى على عجل. ولم يصطحب ابن أخته معه هذه المرة، والذي كان يتعافى من مرض البلهارزيا المستوطنة في جنوب العراق وبشكل وبائي.
    وضع أغراضه على عجل على ظهر رفيقة دربه وسار معها في الطريق إلى الهور حيث مضيف الشيخ فالح .
    بعد أن وصل مدينة مسيعيدة ترك الأتان هناك تلهوا مع أبناء جنسها عند أتباع الشيخ و أوصاهم بها خيرا، وأخذ منهم عهدا بأن يطعموها جيدا وأن لا يحملوا عليها. واستعار منهم قاربا لرحلته.
    كانت القوارب المستخدمة في الأهوار رفيعة ذات مقدمة مرتفعة تسمى ( طرادة ) ظلت محافظة على شكلها السومري إلى الآن. وكان جماعة سلمان من المندائيين قد اختصوا وبرعوا بصناعتها
    انطلق سلمان من الفجر في طرادته يشق طريقه برشاقة بين أعراش القصب الذهبية، وبين مستعمرات البردي متجاوزا مزارع الرز وقطعان الجاموس التي تقضي جل وقتها في الماء وكأنها ضفادع مهولة الحجم .
    كانت الطرادة حديثة الصنع تفوح منها رائحة القار، وكان مزاج سلمان رائقا ولم يعكره سوى الضباب الذي يلف عالم الهور حاجبا الرؤيا أمام زواره المتطفلين .
    كان سلمان يدفع طرادته بقوة بالمردي وهو عصا طويلة من الخيزران وكان يحرك ساعديه بتناغم أحيانا بغرافة مصنوعة من الخشب. وكل همه أن يصل في وضح النهار فالشمس هي المرشد في هذه المتاهة.
    عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى
    وصوت إنسان فكدت أطير
    بعد أن توغل سلمان في وسط الهور، اعترض طريقه أربعة لصوص وكأنهم ظهروا من تحت الماء. كان أحدهم مسلح ببندقية من نوع موزر الألمانية، صوبها نحو سلمان مجبره على رصف طرادته إلى الجزرة الصغيرة التي يقفون عليها .
    كانوا يترصدونه وكأنهم على علم بما يحمله من ثروة. ولما لم يجد سلمان وسيلة للخلاص منهم رمى الليرات الذهبية التسعة على الأرض بعد أن أركن الطرادة إلى الجرف كما أمروه .
    راحت الليرات تتدحرج على الأرض كل واحدة منها تشق لها دربا مختلفا وسط العشب العالي. مما جعل العثور عليها مسألة صعبة . تفرق اللصوص في البحث عنها تاركين حامل البندقية واقفا يحرس سلمان .
    كانت تراود هذا الحارس رغبة جامحة في الانضمام إلى رفاقه للبحث عن الليرات التي لم يرها في حياته قط وإنما سمع عنها .
    استغل سلمان رغبة حارسه وحثه على الانضمام إلى الباقين قبل أن يسرقوا حصته منها ، وتبرع له بأنه سيحمل البندقية بدل عنه لحين عودته مظفرا بإذن الله !
    لم يكذب الحارس الخبر، فأعطى البندقية لسلمان شاكرا له نصيحته وراح مع الآخرين يبحث عن الكنز .
    وقف سلمان هادئا والبندقية في يده، يرقب اللصوص وهم يعثرون على الليرات واحدة تلو أخرى .
    جهز سلمان البندقية وصوبها نحو اللصوص طالبا إعادة الليرات التسع كاملة له.
    فلم يجدوا بدا من إعادتها إليه بعد أن تأكدوا من نيته بالقتل إن امتنعوا والحسرة والندم تكاد تفتك بهم وبالخصوص الحارس الأرعن.
    قفز سلمان بخفة إلى الطرادة ودفعها عن الجرف والبندقية في يده ، فلم يجرأ أحد منهم في اعتراضه أو الاقتراب منه.
    أخذ اللصوص يسيرون على الجرف بمحاذاة القارب. يتوسلون إلى سلمان على إعادة البندقية لهم مقسمين بأغلظ الأيمان بأنهم لن يتعرضوا إليه بسوء أبدا.
    لم يكن سلمان يود الاحتفاظ بالبندقية ، فوعدهم بأنه سيعيدها لهم في مضيف الشيخ فالح . وراح يشق طريقه بين أعواد القصب بعيدا عنهم يترنم بأبيات من الأبوذية كان قد قالها تغزلا بإحدى الجميلات وردت فيها كلمة موزر يقول فيها :
    لقاني خفيف الطول ** ما زرّ
    خمل وزرار فوق النهد ** ما زرّ
    بقلبي من لحاظه يثور**موزر
    نهودك والتفك عمن عليه*
    ---------------------------
    وراح يغني بتلك الأبوذية على الطور الصبي تاركا اللصوص يلطمون على رؤوسهم بعد أن فقدوا الليرات والأمل باستعادة البندقية .
    وصل سلمان مضيف الشيخ فالح عصرا. ولولا قصة اللصوص لوصل عند الغداء الذي كان يمني نفسه به. وهو وجبة شهية اشتهر أهل الأهوار بإعدادها تسمى طابق وسمك.
    أحدثكم قليلا عن تلك الأكلة، والتي كنت قد جربتها ذات مرة، وفي الهور أيضا، في مكان قد يكون قريبا من مضيف الشيخ فالح، ولكن في وقت قريب حيث كنت أبني مشروعا لتصفية مياه الشرب في قرية صغيرة في هور العمارة.
    والطابق أكلة لم تتغير منذ الآف السنين . وعندها أدركت سبب حرص سلمان على الظفر بتلك الوجبة .
    عندما يأتي ضيف إلى الهور يرحب به بحفاوة. وفي أثناء الترحاب بالضيف من قبل رب الدار ( الكوخ )* يذهب أحد الشباب أو اليافعين، وإذا لم يوجد أحد منهم تذهب إحدى الفتيات بالطرادة مع الفالة * لصيد سمكة. وحتى مجيء السمكة وشقها وتمليحها. تكون ربة الدار قد أعدت النار من القصب ومخلفات الجاموس المجففة على شكل أقراص تحت صحن من الطين المفخور يشبه دائرة قطرها يقارب المتر. وعندما يصبح الصحن ساخنا، وشديد الحرارة يسكب فوقه طحين الرز المخلوط بالماء والملح، فيسيح الخليط مكونا رغيفا بسمك سنتمتر أو أكثر يغطي مساحة الصحن .
    بعد أن تشوى السمكة يقدم الطابق ساخنا مع بضعة رؤوس من البصل اليابس للضيف، على طبق نسج من سعف النخيل على شكل دائري، ليتناول وجبة شهية مع رب العائلة، والحاضرين من الشباب الذكور.
    دخل سلمان مضيف الشيخ فالح بعد أن وصل مباشرة. وكان المجلس قد التأم وأخذ كل واحد مكانه حسب مقامه وكبر سنه متربعا على سجاجيد،غزل صوفها محليا ونسجت في القرى المجاورة .
    راحت دلال القهوة تدور بين الحاضرين الذين ازدحم به المضيف المبني من القصب بطراز معماري فريد يختلف عن باقي بيوت القرية.
    فالمضيف يشبه برميلا كبيرا طرح طوليا، بعد أن قطع ثلثه الأسفل. ترفع سقفه العالي أعمدة من حزم القصب، جمعت وربطت بحبال مبرومة من شرائح سعف النخيل أو القنب على شكل دائري تتشابك مع بعضها من الأعلى لتشكل قوسا كبيرا.
    يرقد فوقها السقف والمكون من حصران القصب المنسوجة بطريقة يتقنا سكان الأهوار، تسمى ( البارية ). أما جدران المضيف فهي مكونة من حزم صغيرة من أعواد القصب تتقاطع مع بعضها مكونة أشكالا رباعية بديعة الشكل، تسمح بمرور الهواء والضوء إلى داخل البناء.
    بعد السلام على الشيخ وتقبيل يده جلس سلمان في أحد أركان المجلس .
    بدأ سلمان السلام على الحاضرين، وبعد ترديد جملة الله بالخير التي راح يرددها الجميع بترتيب تراعى فيه المقامات أيضا.
    أعلن سلمان عن نفسه. وهنا عاتبه الشيخ كونه حضر إلى المجلس متأخرا. فطلب سلمان الأذن من الشيخ ليقص على الحضور ما جرى له مع اللصوص، والذي كان السبب في قدومه متأخرا .
    بعد أن سرد القصة بالتفصيل الممل، وضع سلمان البندقية أمام الشيخ كشاهد على صدق روايته
    ( وهذا شاهد حجايتي ).
    ثارت ثائرة الشيخ فالح عند سماعه أن لصوصا في عشيرته اعتدوا على حرمة ضيفه، ومحاولتهم سرقة أموال تعود للشيخ أصلا، وزاد في غضبه تأييد الحاضرين له ودعوتههم في القصاص بقسوة ممن ارتكب تلك الجريمة بحق الشيخ وضيفه.
    أمر الشيخ حراسه وأحد مساعديه بجلب اللصوص بسرعة وحذرهم من العودة من دونهم .
    انطلق الحرس في أثر اللصوص فورا، ولم تكن عملية العثور عليهم صعبة رغم متاهات الهور. فالقليل من الناس من يملك بندقية في تلك الأنحاء.
    جاء حرس الشيخ باللصوص الأربعة مريوطي الأيدي، ومقيدين إلى بعضهم بحبال متينة من القنب، ورموهم تحت أقدام الشيخ بطريقة استعراضية، وكأنهم أكياس من الرز، حيث اجتمع المجلس مبكرا في اليوم التالي للنظر في هذا الأمر الجلل.
    بعد أن أبدى اللصوص ندمهم على فعلتهم ، رووا القصة كما جرت، وكما رواها سلمان تماما. ثم راحوا يتوسلون بالشيخ وبالحاضرين وبسلمان للعفو عنهم، ومسامحتهم على فعلتهم التي هي من غواية الشيطان الرجيم لعنه الله .
    فرض الشيخ غرامة كبيرة على اللصوص الأربعة كونهم اعتدوا على ضيف من ضيوفه ، وليكونوا عبرة لغيرهم ممن يتجرأ على التطاول على مقام الشيخ. وأخذ منهم تعهد بعدم التعرض لسلمان مستقبلا، وترك مسألة استعادة البندقية لتقدير سلمان فهي أصبحت ملكا حلالا له حسب العرف المتبع.
    لم يرغب سلمان في الاحتفاظ بالبندقية أصلا، فهو يعتبرها أداة للشر، ودينه يحرم عليه قتل البشر قطعا، وحتى قتل الحيوان محرم عندهم و إن كان لغرض الصيد. كان قد قرر مع نفسه في إعادة البندقية لهم، ولكنه أراد العبث بهم والمزاح معهم، معلنا أنه قرر أن يعمل من ماسورة البندقية سيفا لأبن الشيخ كهدية عرس.
    وهنا اصفرت وجوه اللصوص، وراحوا يتوسلون بالشيخ لإقناع سلمان بإعادة البندقية إليهم، وعدم إتلافها، وقد نذروا علنا وأمام الحضور بالتضحية بخروفا أبيضا إن عادت لهم البندقية، مع استعدادهم بدفع تعويضا مناسبا لسلمان عنها .
    أعاد سلمان البندقية لهم دون أن يأخذ ثمنا لها مكتفيا بالنذر. وتصالحا وقضى الجميع سهرة ممتعة استمعوا فيها بشوق لأحداث قصة أبو زيد الهلالي كما رواها سلمان بأسلوبه المشوق.
    بعد أن أنجز سلمان عمله في صياغة حلي العرس، استأذن الشيخ فالح، وشكره على ضيافته وكرمه . وعاد إلى أهله بخروف أبيض وبمجموعة من طيور الخضيري التي تشتهر بها الأهوار مع كمية من النقود .
    وعادت الأتان بأحسن حال بعد شهر من العلف الجيد،والراحة التامة واللهو مع أبناء جنسها.
    استقبلت حيهن هذه المرة سلمان بحفاوة، وترحاب كبير، فعيد البنجة* على الأبواب وربما هذه المرة الأولى التي تذبح فيها العائلة خروفا للعيد، فالخراف لا يقدر على شراءها إلا الميسورون ، وكان الناس يكتفون بذبح دجاجة أو ديك في هذه المناسبة إن توفر ذلك .
    بعد الذي جرى له مع اللصوص، عاهد سلمان نفسه بعدم الذهاب إلى تلك النواحي مرة أخرى مهما كلفه الثمن. واكتفى بالسفر إلى الشمال فقط.
    عندما تسافر إلى شمال العمارة ترى القرى الصغيرة تقام بالقرب من نهر دجلة، وتبنى بيوتها من الطين في أحسن الأحوال. أما القرى الكبيرة فكانت تشاد على ضفاف النهر مباشرة. حيث بيوت الإقطاعيين التي كانت واسعة ومميزة وتبنى من الطابوق في الغالب.
    معظم القرى الكبيرة كانت تستقبل سلمان كل عام وكأنها على موعد معه. يفرد له شيخ العشيرة التي يحل فيها، كوخا صغيرا قرب المضيف، ليضع فيه عدته وأغراضه، ولينام فيه أيضا مع ابن أخته.
    أما الأتان فتكون مدللة في تلك القرى، فهي تسرح حيث تشاء لا أحد يعترضها، أليست هي أيضا في ضيافة الشيخ ؟. وربما تكون تلك الأوقات المستقطعة هي مصدر صبرها على احتمال مصاعب السفر مع سلمان.
    ينظف سلمان سكنه الجديد على طريقته ويرتب عدده فيه ويجمع الفحم لموقده . وبعد أن يقضي
    أيام الضيافة الواجبة، يبدأ في إنجاز ما يحتاجه أهل القرية والقرى القريبة من صياغة حجول الفضة والقلائد الذهبية والخواتم والخزامات وهي التي تعلق في الأنف وغيرها من الحلي وكذلك إصلاح الحلي القديمة التالفة.
    يتم كل ذلك بنظام يتكرر كل عام، تكون فيه الأولوية لعائلة الشيخ، ثم أولاده وبناته المتزوجات وأسرهم، ثم دور السيد (مومن) القرية والسراكيل، وهناك استثناءات للعرسان ولكن بموافقة الشيخ ثم لبقية الناس .
    يمتد العمل أسابيع وأحيانا شهور ويظل سلمان طيلة تلك المدة في ضيافة الشيخ وحمايته.
    يقضي نهاره في العمل وفي المساء يكون في مضيف الشيخ الذي تحول إلى مجلس أدب، حيث الشعر الشعبي، والأحاجي، والقصص، والأحاديث المختلفة، ولسلمان نصيب كبير في ذلك المجلس.
    كان سلمان نجم تلك المجالس بشعره وقصصه المشوقة، التي جعلت الشيوخ يتمسكون به ويترقبون قدومه كل عام، ويشملونه بحمايتهم ويغدقون عليه الهدايا.
    كان سلمان قوي البنية ، جريئا فلم يكن يبالي بالمخاطر، أضف إلى ذلك حماية الشيوخ له فلم يتجرأ عليه أحد من اللصوص يوما .
    أما الجن والعفاريت فلم يقربوا من سلمان لورعه وكثرة تعبده، والذي أضفى عليه هالة من القدسية جنبته الكثير من المشاكل، وتركت له فرصة التغزل بالجميلات دون رقابة أحد.
    بعد أن ينجز سلمان أعماله في تلك القرية. يجمع عدده ويحث أتانه لقرية أخرى ويتكرر المشهد.إلى أن يقترب الشتاء، فيجمع ما قسمه الله ويأخذ أغراضه وأتانه على ظهر أول سفينة نازلة إلى مدينة البصرة، والتي كانت تتوقف عادة في المدن الكبيرة ومنها مدينة العمارة.
    فيعود سلمان مع ابن أخته وأغراضهم على ظهر الأتان مشيا إلى قريتهم ، محملين بالهدايا من قماش وقهوة وشاي وسكر وغيرها، وبقليل من النقود والتي لم تعد تسد حاجة أسرته التي أخذت تكبر، وأسرة أخته الأرملة التي تعتمد عليه أيضا، ولحين رحلته القادمة.
    لم تستمر حياة سلمان على هذا المنوال .
    رحل الأتراك عن العراق على مضض بعد قتال ضاري مع الجيش البريطاني، والذي كان الجنود الهنود السيخ والكركة عماده الرئيسي
    تبدلت الطرابيش التركية الحمر بقبعات انكليزية غريبة لم يعتد العراقيون على تقبل رؤيتها بسهولة ناهيك عن لبسها.
    أحس العراقيون أن عاداتهم وتقاليدهم مهددة، وإن كبرياءهم قد طعنت بعد أن كثرت العيون الزرق حتى وصلت الأهوار. والمحتلون الجدد يعتنقون دينا آخر، ولهم عادات وتقاليد غريبة عن العراق وأهله، وراحوا يتصرفون مع الناس بعجرفة المحتل ممتهنين كرامة الإنسان العراقي.
    فلم يبقى لشيوخ العشائر ورجال الدين والفلاحين من وراؤهم، سوى رفع السلاح بوجه هؤلاء المحتلين في ثورة عارمة.
    كانت تلك ثورة العشرين التي اشترك فيها أكثر من مائة وثلاثين ألف من العراقيين، قد دامت لأكثر من خمسة أشهر وشملت العراق كله.
    قمعت تلك الثورة من قبل الانكليز بوحشية لم تعهدها البلاد من قبل. فالحقول دمرت وقتل الآف من الفلاحين والنساء والأطفال وسويت قرى بكاملها مع الأرض.
    وهكذا انتقل سلمان بعائلته إلى مدينة قلعة صالح القريبة من مدينة العمارة. استأجر غرفة هناك وحشروا فيها جميعا.
    وفي عام 1921 جلب الإنكليز ملكا من دولة أخرى ونصبوه ملكا على العراق. ثم أسسوا حكومة من أتباعهم تعمل تحت إشرافهم. وهكذا أخذت الأمور تستقر شيئا فشيئا إلى أن انتهى الانتداب البريطاني على العراق عام 1932.
    أخذت الزراعة تنتعش فتحسنت أمور الناس، ونال سلمان نصيه من هذا التحسن فكف عن السفر،
    فتح محلا للصياغة في سوق المدينة الرئيسي، وظل يكافح فيه لسد نفقات الأسرة.
    ظل سلمان وطيلة أوائل الثلاثينيات يعيش في الغرفة التي استأجرها في مدينة قلعة صالح. تلك المدينة الواقعة على الضفة اليسرى لنهر دجلة، في منتصف الطريق بين مدينة البصرة والعمارة، وإن كانت للأخيرة أقرب وتحسب عليها إداريا.
    الطريق المعبدة التي تربط البصرة بالعمارة تقع في الضفة الأخرى من النهر. فربطت قلعة صالح بالضفة الأخرى من النهر بعبّارة كبيرة صنعت من صفائح الحديد وكأنها فلكا كبيرا. ربطت بأسلاك حديدية من جهتي النهر.
    بمعونة تلك الأسلاك والعتلة التي في وسطها، راحت العبارة تقطع النهر جيئة وذهابا عشرات المرات يوميا .
    كانت بلدية المدينة تؤجر هذا الجسر المتحرك سنويا لبعض المتعهدين لقاء أجر محدود، وهؤلاء بدورهم يأخذون أجور من الناس لإيصالهم وأحمالهم إلى الضفة الأخرى.
    كان بيت سلمان مطلا على تلك العبارة، والتي أصبحت السبب في تركه تلك المدينة الحديثة التي لم يمضي على بناءها قرن واحد، والتي أخذت اسمها من اسم أحد القادة العثمانيين .ليعيش بعيدا عن تلك العبارة .
    كان أحد مجانين قلعة صالح واسمه ( جلوف ) عاشقا لتلك العبّارة، يقطع النهر عليها مئات المرات، ولا يأخذ أحد أجور منه لتنقله الدائم رفقا به، وربما تبركا حتى أصبح جلوف جزء من تلك العبّارة وكأنه عتلة فيها.
    وفي يوم .عبرت امرأة على تلك العبارة وعلى يدها رضيعها ، وصادف عبور سلمان معها إلى الضفة الأخرى لقضاء حاجة طارئة .
    كان الرضيع يصرخ بألم عجزت أثداء الأم عن تهدئته أو إسكاته، فحارت به المسكينة وسط هذا النهر الهادر.
    تبرع جلوف وعرض خدماته على الأم متعهدا بإسكات الرضيع. أعطته الأم رضيعها بعد أن عجزت والذين من حولها وحتى سلمان من إسكاته .
    وقد أسكته جلوف بالفعل ولكن إلى الأبد .أخذ جلوف الطفل بين يديه وألقى به إلى الماء تاركا أمه المذهولة تلطم، وتندب حظها، ثم شدت عباءتها على وسطها وراحت تلطم على طريقة نساء العمارة مرددة أهزوجة ارتجلتها)Lو منك هايه يجلوف جا هايه من الله مودايه ).
    لم يستطع سلمان عمل شيئا لإنقاذ الطفل وكذلك الآخرين الذين منعوا الأم التي أرادت أن ترمي نفسها وراء رضيعها .
    فدجلة كان غاضب وفي ذروة فيضانه، وهكذا وبكل بساطة ابتلعته أمواج النهر التي كانت تهدر كأنها التنين.
    لم تغادر صورة الطفل خيال ووعي سلمان، وراحت تؤرقه فقرر ترك تلك الدار التي كانت تطل على العبارّة التي تذكره بتلك الحادثة الأليمة.
    كان سلمان من القلائل الذين يجيدون القراءة والكتابة في المدينة في ذلك الوقت، وبذلك عدّ من المثقفين بمقاييس ذلك الزمان، و أخذت تربطه علاقات طيبة مع موظفي تلك المدينة الصغيرة والذين لم يكونوا أكثر ثقافة منه.
    عن طريق تلك العلاقات علم أن القائمقام الجديد ولقبه (( الصوفي )) ، ينوي إجراء إصلاحات عصرية في المدينة ، من مدارس وطرق وحدائق، لذا سوف تتبدل خارطة المدينة.
    كانت قلعة صالح تمتد مع دجلة. يفصلها عن النهر شارع أو قل كورنيش. ولكون بساتين النخل الممتدة خلف المدينة كانت تأخذ مياه السقي من دجلة عبر أنهر حفرت عشوائيا، لذا أصبح الكورنيش عبارة عن شارع غير معبد، تقطعه عشرات المعابر التي مدت من جذوع النخيل، تجري من تحتها أنهار اختلف عرضها حسب مساحة البستان الذي ترويه.
    قرر القائمقام حفر نهر كبير شمال المدينة ليروي كل تلك البساتين من الخلف، ويعيد بناء طريق الشاطئ بشكل حضاري. وبعد أن أخذ الموافقات من السلطات العليا في بغداد وضع خطة للمباشرة بتنفيذ مشروعه.
    بعد أن تم تنفيذ المشروع، ظهرت قطعة أرض كبيرة شمال المدينة تكفي لإقامة قرية صغيرة عليها .
    فطلب سلمان وأحد نسبائه وهو رجل الدين المندائي الأعلى مرتبة في المدينة، من القائمقام بيعهم تلك القطعة من الأرض لإقامة حي للمندائيين عليها .
    وهنا قدم القائمقام طلبا موقعا من قبل سلمان ونسيبه ورفعه إلى الملك مع رجاء بمنح تلك الأرض لهذه الطائفة التي تعتنق أقدم الأديان التوحيدية في التاريخ. هكذا وبعد أخذ الموافقات المطلوبة تم إعطاء تلك الأرض التي أفرزتها ألدوله، والتي تبعد كيلومتر واحد شمال المدينة لهم وبأسعار رمزية وسجلت بأسمائهم في دوائر الطابو.
    قام سلمان بمتابعة الموضوع بكل جدية ونشاط وأقنع إخوته وأخوة زوجته في التعاون فيما بينهم لبناء دور لهم على تلك البقعة الجميلة، والتي تحيطها بساتين النخيل . فتوفر لهم حرية الأرتماس بالنهر وإقامة شعائره فيه دون منغصات المدينة*.
    تحقق لسلمان ما أراد وتم فرز تلك القطعة إلى أربعة وعشرين بيتا، على عدد حروف الأبجدية المندائية *. فقام كل واحد منهم في تشييد داره حسب رغبته، وحسب إمكانياته المادية. وقد تعاون الجميع على ذلك. الغني منهم يساعد الفقير، وأن كان لا يوجد بينهم غنيا بمعنى الكلمة، ولكن الفقراء كثر. واتفقوا على أن يبدأ البناء في يوم الأحد تبركا بهذا اليوم الذي هو اليوم المبارك عند المندائيين .
    جاء يوم الأحد المنشود فترك الجميع أعمالهم وتوجهوا مع نساءهم وأطفالهم إلى أرض " الميعاد " الجديدة . أخذت أهازيج الرجال ترتفع لتختلط بزغاريد النساء وصراخ الأطفال الذين لم يفقهوا سبب كل هذه الضجة، التي عكرت صفو تلك البقعة الهادئة. حتى طيور الفاخت والتي لم تشهد مثل ذلك الصخب من قبل، راحت تصفق بأجنحتها بعد أن ابتعدت محلقة تاركة أعشاشها. أما كلاب ( بيت رسن ) والتي تحرس بساتين النخل من العابثين واللصوص بشراسة، فولت هاربة بعد أن شاهدت هذا الحشد الكبير، وشعرت أن المسألة جدّ .
    خططت البيوت بمساعدة قصبة غليظة وبعض الحبال. ثم أخذت معاول الرجال الأشداء تشق الأرض التي استسلمت لهم بكل دعة.
    كبرت الحفر أمام البيوت ونقل إليها الطين الحريّ من جانب النهر على الحمير من شمال القرية .
    وانبرت مجموعة من النسوة وفي مقدمتهن حيهن . بعد أن رفعن ثيابهن إلى الركبة وتحزمن عليها بعباءات الصوف ، ورحن يخلطن أعواد التبن الذهبية بالطين في تلك الحفر . وأخذت السيقان البيض تغوص في خميرة الطين في رقصة جماعية بديعة.
    الرغبة تظهر الإبداع ! عندما تنظر إلى حيهن وسط معركة البناء لا تصدق إنها ذات المرأة المدللة التي أرهقت سلمان بدلالها. لقد كانت صلبة وقوية ومبدعه ، تقود مجموعة النساء في عمل الطين وكأنها تحارب. بعد أن يتجانس الطين ينقل على شكل كرات كبيرة لتشاد الجدران منها .
    كانت هناك قصة وراء نشاط حيهن ولم تكن صحوة ضمير. عندما كانوا مستأجرين غرفة في قلعة صالح، وكان رضيعها الصغير نائما في المهد، خرج إليه ثعبان أسود، وراح يلتف على جريد المهد، فقفزت الأم إلى الطفل وحملته وخرجت من الدار راكضة، ولكن الثعبان ظل يلاحقها طالبا الطفل، حتى وصلت إلى إحدى ورش يناء الزوارق الخشبية، وعندها اجتمع الصناع حولها وبأيدهم الفؤوس فقتلوا الثعبان . عندها نذرت حيهن إن يبني لها سلمان بيت تعيش فيه، سوف تتحزم وتخلط طينه بقدميها وقد وفت نذرها.
    أما العجائز فقد انشغلن بالقدور، والطبخ ومراقبة الصغار. وهكذا استمر العمل كل يوم حتى أخذت الجدران ترتفع . فظهرت في الساحة جسور من خشب الجندل وحصران من القصب وشبابيك وأبواب من خشب التوت. كانت تلك الأبواب التي تقفل بمزلاج لمصنوع من الخشب أيضا.
    بعد أن انتصبت الجدران بأبوابها وشبابيكها ومدت جسور الجندل فوقها بقياس واحد متكرر.
    نشرت حصران القصب وأخذت بعض النسوة في ملج تلك السطوح بالطين الحر وبطبقات عدة لتجعل حبات المطر تنزلق بسهولة ويسر وبانحدار واضح لتصب في مزاريب من صفائح التنك التي تطرد المطر بعيدا عن الجدران .
    ذلك النشاط المنظم اليومي، والإصرار والأمل وشمس العراق جعلت من الحلم واقع. فظهرت بعد أسابيع عدة قرية جميلة تحتضن شلة متحابة من البشر سميت باللطلاطة .
    من أطلق هذه التسمية ؟ لا أحد يجيب .
    ربما جاءت التسمية من لطلاط ماء دجلة الذي كان يداعب تلك الشواطئ الجميلة .
    كانت مياه النهر خجلة عند مداعبتها الجرف العالي، فلا هي تفيض وتغرق المكان، ولا هي تكف عن تلك المداعبة وتترك الجرف وشأنه، فسميت باللطلاطة .
    لقد كانت مياه دجلة هي الضرع الذي سقى سكان تلك القرية طيلة عمرها الذي لم يمتد طويلا للأسف.
    كان نصيب سلمان من تلك القرية بيتا على شاطئ دجلة فيه ثلاث غرف وطارمة مسقفة . والطارمة كانت مسكنا للبقرة الدبسة شتاء، وفي ظهر الدار مساحة من الأرض غرس فيها بستانا من أجود أنواع النخيل من قنطار وبرحي وبريم وديري وخضراوي وجبجاب وتبر زل وشكري وحلاوي وغيرها .
    زرع سلمان أربعة وعشرين فسيلة نخل على عدد حروف الأبجدية المندائية التي تبدأ بالألف وتنتهي به .
    كافحت حيهن وابنتها الوحيدة في سقي تلك الفسائل بمشربيات من النحاس تسمى ( مصخنة ) . كانت عملية زرع بستان وسقيه والاعتناء به، من المهمات الشاقة على النساء لا تقدرعليها إلا القويات منهن. وهنا ظهر معدن حيهن وابنتها، كن ينقلن المشربيات على الأكتاف إلى أن شبت الفسائل متطلعة إلى السماء بسعفها الطري. فازدهر البستان وراح النخل يؤتي ثمارا شهية .
    عم خيره على أهل اللطلاطة كلهم. فالرطب كان على موائد الفطار في كل بيت وحلان الخضراوي فاكهة الشتاء المحببة، ودبس الدمعة المعصور من التمر والذي يجمع قطرة بعد أخرى بعد أن يوضع فوقه الحلان المنسوج من الخوص والتي شارك في نسجها الجميع حتى الأطفال . كان ذلك الدبس النقي يتبلور ( يجرش ) شتاء في صفائح التنك، فتنحني في داخله ملاعق الأكل إن لم تنكسر عند الغرف منه. والخلال المطبوخ من البريم والجبجاب كان سلوى للجميع في كل الأوقات، خاصة الصغبر. لم يكن إعداد الخلال المطبوخ مسألة صعبة . فقد كانت عذوق الخلال تقص وتطبخ وتجفف على السطوح . هذا كل شيء.
    أما تمر الديري فكان يترك في عذوقه إلى أن يجف ثم تقص تلك العذوق وتعلق في الغرف.
    وقبل أن يسكن الناس تلك البيوت قامت بلدية المدينة بإيصال الكهرباء إلى الشوارع ، فأضاءتها بمصابيح صغيرة ارتفعت عاليا فوق أعمدة من حديد الشيلمان ولكنها لم تجرأ على الدخول فيها. فبعد أن نقل القائمقام ( الطوخي ) إلى مدينة ثانية . أصبح مدير البلدية واسمه "زنيد" يدير أمورها ، كان هو السبب الذي جعل الكهرباء لا تجسر على الدخول إلى البيوت الحديثة البناء فكانت تضاء بالفوانيس و"اللالات" المحلية الصنع.
    وعندها قال سلمان شعرا :
    غمج يا جلعة جي جسر ما بيج
    من غرب الطوخي زنيد حكم بيج
    ------------------------------
    قبل أن ينتهي الخريف كانت البيوت الجديدة قد كنست ونظفت، وجاءت كل أسرة بما تملك من الأثاث، وهو بعض سجاجيد منسوجة يدويا، وصناديق من الخشب صبغت بألوان فاقعة، وبعض القدور وأسرة صنعت من جريد النخل.
    انتصبت "التنانير" في كل بيت وجهزت المواقد ومعالف البقر وتصدرت الدور جرار الفخار التي كانت تصفي الماء وتبرده.
    كثر ركض الأطفال وزاد صخبهم في المكان الجديد، وكانوا يتجنبون النهر أو مرة إلى أن اعتادوا على سكنهم الجديد، وما أن جاء الصيف الثاني حتى سكنوا النهر وكأنهم حيوانات برمائية.
    لم يقترب الأطفال من بساتين النخل التي تحيط باللطلاطة خوفا من الكلاب الشرسة التي كانت تحرسها، والتي كانت تتجمع في العادة عند الناعور وسط البستان الذي يفصل اللطلاطة عن قلعة صالح.
    هذا الناعور الذي كان يدور أبدا بفضل حمار متوسط الحجم ربط إليه معصوب العينين، فلم يعرف إلى أين ستنتهي مسيرته وهل سيتحرر يوما منها؟
    لكون الطريق التي تفصل القرية الجديدة عن المدينة طويلة، إذا ما قيست بخطوات الصغار ولكونها محفوفة بمخاطر الكلاب، كان الصغار يذهبون للمدرسة جماعات، وكان الأكبر سنا ينضمون معهم في تلك المسيرة اليومية، ولكل منهم هواجسه، فالكل كان يسير بمحاذاة النهر متجنبين الطريق السالكة وسط البستان وهنا تتعدد الأسباب، الصغار يخشون الكلاب رغم إغراءات الرطب المتساقط من بعض النخيل، فيفضلون طريق الشاطئ على مضض .
    والكبار لهم أيضا ما يخشون منه في طريق البستان فقد تربع الطنطل* على السدرة التي توسطت البستان فيعودون مهرولين إلى طريق النهر عندما يصرخ أحدهم، وهكذا كل يوم إلى أن تأتي عطلة المدارس، وعندما تظهر نتائج الامتحان يرجع من كان ناجحا عبر البستان غير مباليا بالكلاب ولا بالطنطل، ليبشر أمه ويحصل على هديته. أما من فشل فيعود للبيت سالكا طريقا ملتوية تدور حول المدينة ليصل إلى اللطلاطة عبر أرض سبخة خالية من الأشجار أصبحت لاحقا مقبرة للقرية حيث أخذت شواهد القبور تنمو عليها بتتابع.
    راح سكان هذه القرية يرتبون حياتهم كما يشتهون رغم الضائقة الاقتصادية التي تعم البلد، كان الرجال المكلفون بإعالة هذه المجموعة من البشر يعملون في الغالب في الحرف اليدوية. وكانوا ماهرين فيها . فهم الحدادين وهم صناع الزوارق وهم الصاغة وهم الأكثر ثقافة بين شرائح مجتمع قلعة صالح، فبعد أن حصل شبابهم على التعليم ظهر فيهم لاحقا المدرس والطبيب والمهندس، .و بذلك أصبحت مكانتهم الاجتماعية مهمة ويحظون بتقدير الجميع في قلعة صالح وحتى في المدن الأخرى مثل العمارة والبصرة.
    أشادت هذه المجموعة معبدا لها في اللطلاطة من الطابوق وأحاطته بالأزهار، فكان يرتاده الباحثون والمستشرقين الأجانب. وكانت مجالس السمر شبه ليلية فيه الصيف، حيث يفرش شارع النهر بالحصران فيتجمع الرجال والنساء والأطفال، فيقظون وطرا من الليل بالقصص والأحاديث المختلفة، بعد أن استقرت الأمور في القرية و كبر الأولاد، ترك سلمان سوق قلعة صالح بعد أن أصبح الرزق فيه شحيحا، وعاد إلى هوايته القديمة في مطاردة لقمة العيش مرتحلا بين القرى، وربما تحجج بضنك العيش في قلعة صالح ليعيش حياة الحرية والترحال التي اعتاد عليها.
    سافر سلمان بعيدا إلى الغرب هذه المرة. ولم يرجع من تلك السفرة وكأنه استطاب الهواء الغربي فدفن هناك. ولم يرجع إلى اللطلاطة إلا نعيه .
    ظلت اللطلاطة وأهلها وإلى وقت طويل يتداولون القصص والأحاديث بإعجاب وفخر عن سلمان مؤسس هذه القرية التي ارتبطت بذاكرة المندائيين إلى اليوم .
    =============================
    عبد الإله السباهي
    10/4/2008

    معاني المفردات
    ------------------
    * من عادة الطائفة المندائية إطلاق شعر الوجه والرأس وعدم قصه أبدا.
    *يسكن مناطق جنوب العراق بضعة الآف من البشر يقال أنهم بقايا السومريين سكنه العراق الأوائل . يدينون بالديانة المندائية وهي بقايا دين توحيدي قديم ويتكلمون اللغة المندائية وهي آرامية قديمة أيضا .عرفوا بتزمتهم الديني وحرصهم المبالغ فيه على نظافة النفس ونظافة الأبدان .وهم موحدين إلا حد المغالاة . وأهم طقوسهم الارتماس في مياه الأنهر الجارية غسلا للذنوب مهما صغرت .- الكاتب -
    * الجاون هو جذع شجرة يحفر داخلها إلى عمق كبير ويكون كالقدر العميق يستخدم في هبش الرز وتقشيره بعمود من الخشب أيضا يسمى بالميجنة .ويستعمل هنا في هرس التمر.
    * الأهوار مستنقعات مائية واسعة تغطي مساحات شاسعة من جنوب العراق تكثر فيها أحراش القصب والبردي وفيها ثروة سمكية كبيرة وتهاجر إليها في موسم الشتاء أنواع عديدة ونادرة من الطيور . قبل أن يأمر بتجفيفها نظام البعث خدمة لأغراض حربية.
    * هناك مشكلة في كتابة الشعر الشعبي لورود كم كبير من الأصوات الغير عربية وهي أعجمية في الغالب مثل (G )
    والمعنى لاقته فتاة خفيفة الظل ولم تحيد عنه وكانت قد نسيت أن تسد فتحات الثوب عند الصدر فكان الشوق لها كطلقات بندقية الموزر.فأورثته الهم.

    * الناس في الأهوار يسكنون أكواخا من القصب وتكون على مجموعات وحسب وسع الجزيرة التي يبنون عليها وأحيانا يكون بيتا واحدا يبنى على جزيرة صغيرة تكون قد شيدت من القصب وبعض الطمي .
    * الفالة أداة تشبه المذراة من الحديد ذات ثلاث رؤوس وذراع من الخشب ترمى على السمكة المراد اصطيادها والت تكون تسبح في الجوار وهي في الغالب من نوع القطان ذو الرأس الأسود ويكون حجمها على قدر عدد الضيوف الواجب ضيافتها.
    * عيد البنجة هو عيد الخليقة عند المندائيين ينحرون في الخراف ويمارسون طقوس الأرتماس في الماء وغيرها من الطقوس بشكل واسع.
    * الشعيرة الأساسية في الدين المندائي هي الأرتماس في الماء الجاري ولا يمكن أن تكتمل أهم طقوسهم إلا به وكانوا يتعرضون لمضايقات المتطفلين عندما كانوا يمارسون تلك الطقوس في المدينة .
    * اللغة المندائية هي أحد فروع اللغة الآرامية مثل العربية والعبرية وكانت تستخدمها مجموعات كبيرة في تلك المناطق فق قديم الزمان.
    * الطنطل مخلوق خرافي تقول المعتقدات انه يسكن شجر السدر ويلبس البياض ويرمي الصغار والكبار بالحجر ويؤذي من ينفرد به

    ================

    [right]
    avatar
    علي كاظم الربيعي

    المساهمات : 304
    تاريخ التسجيل : 15/05/2011

    حيهن طبيبة لطلاطة

    مُساهمة  علي كاظم الربيعي في السبت مايو 28, 2011 11:41 am

    حيهن طبيبة لطلاطة
    ===============
    إلى الشرق من ميسان حيث هور الحويزة يصب نهر الكرخة، وعلى منتصفه تقع مدينة الحويزة، والتي تبعد حوالي 90 كم عن الأحواز شمال غرب مدينة المحمرة .
    كانت الحويزة عاصمة الدولة المشعشعية في أيام المغول. أبدل اسمها الإيرانيون اليوم إلى( دشت ميشان ).
    في هذه المدينة الكبيرة تقاسم بعض المندائيون العيش مع أهلها العرب من عشائر طي. ولكون المندائيون رعايا دين توحيدي قديم، ورد ذكرهم في القران الكريم ، تسامح الجميع معهم ، وتركوهم يعيشون يسلام. في الحويزة، فشيدوا لهم معبدا فيها ( مندي ) وكانوا يمارسون طقوسهم في الإرتماس في نهر الكرخة بكل حرية. وكانوا يرددون اسم الله في تلك الطقوس بلغة أخرى هي المندائية. تلك اللغة التي كانت سائدة في تلك الأصقاع قبل الفي عام عل الأقل .
    في تلك المدينة ولدت ( حيهن ) في أوآخر القرن التاسع عشر، أو في بدايات القرن العشرين. أبو حيهن رجل الدين المندائي الأكبر في تلك الأصقاع، وكان أنشأ بعض أولاده على طريقته فأصبحوا رجال دين مرموقين هناك قبل أن يهربوا إلى العراق .
    ربما كان ( بار أنوش) أحد الأجداد الأوائل لحيهن، والذي عاش في الأهواز في عهد الملك شابور. أشاد بار أنوش، هذا الرجل المندائي جسرا على نهر الكارون طوله 435 ذراع، وعرضه ستة أذرع، وبفتحات بلغت 15 فتحة في مدة لم تتجاوز الثلاث سنين .
    استقدمت حيهن بعد أن ترملت أمها لتعيش معها في دار واحدة في اللطلاطة. فأصبحت تلك المرأة الوافدة ( طبيب) اللطلاطة والقرى المجاورة، بما لديها من تجارب في معالجة بعض الأمراض، وبما تملكه من الخرز والأحراز التي كانت تساعد بها النساء الحوامل وغيرهن. ولكونها محسنة للجميع وتتكلم اللغة الفارسية إضافة إلى العربية أضفى عليها هاله من التبجيل ذاع صيتها بعيدا.
    كان أخوة حيهن وأغلبهم رجال دين، يحيطون بها ويساعدوها في عيشها كأرملة، بعد أن استقروا معها في اللطلاطة .
    عند الحديث عن مناخ العراق، كان معلم الجغرافيا يلقن التلاميذ الصغار، أن العراق ( حار جاف صيفا وقارص البرد ممطر شتاء ).
    نعم الشتاء هناك بارد جدا، وبيوت الطين وإن كانت ممتازة في فصل الصيف، إلا أنها لا تحمي ساكنيها من برد الشتاء. مما يضطر الناس في الليالي الشديدة البرد
    إلى استخدام مناقل الحطب للتدفئة، والنوم تحت أغطية ثقيلة ذات ألوان وزخارف هندسية رائعة كأنها السجاد تسمى الواحدة منها ( إزار ركم ) .
    كانت العائلة في بيت سلمان تنام في الغرفة الواقعة على الشارع الموازي للنهر، أو قل كورنيش اللطلاطة، وكانوا يدخلون البقرة ( الدبسة ) في تلك الغرفة الواسعة لتنام معهم خوفا عليها من البرد، ومن اللصوص اللذين أخذوا يغيرون على القرية من حين لآخر.
    كان موقد النار يتوسط الغرفة الواسعة في بيت سلمان، في ليلة شتوية قارصة البرد. حطبه كرب النخيل، وبضعة أغصان من التوت، أخذت ناره ترسم لوحة بألوان قانية الحمرة بعد أن انقشع الدخان وتوهج الجمر.
    غط الأطفال في نوم هادئ، وظلت حيهن وأمها يقلبن الأمور في حديث هادئ، عن مستقبل الأسرة، وكيف سيدبرن إعالة الأطفال بعد أن رحل سلمان .
    كان للصوص تلك المناطق طريقة خاصة شائعة بينهم في السطو على البيوت. يدخلون الدور من خلال فتحة، يحفرونها في الجدا ر الطيني بخناجرهم المشحوذة دائما، يدخل اللص مؤخرته في تلك الفتحة خوفا على رأسه ممن قد يتربص به، ثم يدخل كامل جسمه، وبعد أن يطمأن يسرق ما يجده في تلك الدار، وما يقدر على حمله ويخرج من الباب الرئيسي، المقفول بمزلاج خشبي يعصى فتحه على الداخلين للدار لا الخارجين منها، وسكان الدار يغطون في النوم تحت تلك الأغطية الثقيلة .
    استغرق حديثهن وقتا طويلا مع أمها، فالمشاكل معقدة والحديث يتشعب ولم يبقى من الليل إلا الهزيع الأخير .
    وعندها سمعت حيهن نقرا على الجدار، ثم تأكد لها أن أحدهم يحفر فيه. قامت بهدوء وأحضرت محراث التنور، وهو سيخ طويل من الحديد يستخدم في تحريك الجمر داخل التنور لتنضج الأرغفة فيه. وضعته في الموقد وزادت الحطب عليه واستمرت بالحديث مع أمها التي لم تسمع منه شيئا بعد أن غلبها النوم وراحت تشخر بصوت مكبوت.
    استمر الحفر في الجدار طويلا فالجدار كان عريض وطينه مداف جيدا بالتبن فتماسك جدا وحيهن تنتظر بقلق. أخذ السيخ يحمّر تحت وهج أغصان التوت الذي غطت شجرته وسط دار سلمان.
    بعد أن أنجز اللص المرحلة الأولى من عمله، وظهرت فتحته صغيرة في أسفل الجدار، تسللت منها خيوط القمر البيضاء، راح اللص يدس مؤخرته فيها ليلج الدار على عادته، حالما بصيد ثمين. بعد أن أدخل كل مؤخرته في تلك الحفرة الصغيرة، وقبل أن يدخل باقي جسمه، أخذت حيهن السيخ المحمر وراحت تكويه على مؤخرته بكل قوة وثبات، أخذ اللص يصرخ من شدة الألم محاولا الفرار.
    لم يخرج اللص من تلك الورطة إلا بعد أن أيقظت رائحة الشواء أم حيهن، واختلط صراخ الصغار المرعوبين بصراخ اللص.
    تركت حيهن اللص يهرب ولم توقظ الجيران، وأعادت الأطفال إلى فراشهم، وأغلقت الفتحة بحقيبة حديدية كبيرة كانت تضم بعض أدواة عمل سلمان وكأنها تعاتبه .
    انتشر الخبر في اليوم التالي في المدينة كلها، ولم يجرأ بعدها أحد من اللصوص بدخول اللطلاطة.
    بعد تلك الحادثة عرض عليها أحد إخوتها بالانتقال للعيش معه، لكنها أصرت على أن يظل بيت سلمان مفتوح.
    أراد ابنها الكبير قاسم ترك الدراسة، والتي قطع فيها شوطا كبيرا، ليعمل ويعيل العائلة. ولكن حيهن أصرت على إرساله إلى بغداد ليكمل تحصيله في كلية الملكة عالية، والتي ذاع صيتها بعد أن ينهي تعليمه الثانوي.
    أخذت حيهن تشتغل هي وابنتها يساعدها الصغار في نسج الأطباق من جريد النخل، وصنع الحصران من سعفه، وبناء التنانير من الطين، وغزل الصوف، وحياكة الهمايين? وخياطة الرسته ، وغيرها من الأعمال التي كانت توفر دخلا شحيحا. لكن الحياة كانت تجري، وبمساعدة البستان والبقرة الدبسة التي كانت ساهمت بشكل جدي في توفر الحد الأدنى من العيش.
    أنهى قاسم المرحلة الثانوية من الدراسة بتفوق، فأصرت حيهن على إرساله إلى بغداد ليحقق طموحه وطموح الأسرة، وليعيد اسم سلمان إلى الواجهة.
    كانت تزور اللطلاطة في تلك الأيام، ومن حين إلى آخر مستشرقة وباحثة في الأديان القديمة انكليزية الجنسية، وكانت تقضي الساعات الطوال في متابعة طقوس المندائيين وتتعلم لغتهم وعاداتهم. وخلال زياراتها، كانت تسكن في موقع الحامية البريطانية المبنية في الجهة الأخرى من النهر.
    كانت الليدي دراور ( وهذا اسمها) تطلب من قاسم أن يجلب لها قنينة حليب من البقرة الدبسة وكانت تغدق عليه العطايا. وتستعين بإنكليزيته البسيطة في التفاهم مع الآخرين في اللطلاطة، قبل أن تتعلم هي العربية. كتبت هذه الباحثة أهم الكتب عن الدين المندائية وعن هذا الشعب المنسي، وكان الكل هناك يستقبلونها دائما باحترام شديد، فكان يفرد لها كرسي في وسط مندي اللطلاطة، تظللها شجيرات الياسمين ، ويحيطها ورد الجوري البري الذي يغرق الجميع بعطره الفواح.
    لم يكن العيش سهلا على الرجال في اللطلاطة، فلم تتوفر لهم فرص للعمل في المدينة عدى بعض الحرف الصعبة كالحدادة ونجارة الزوارق والقلة منهم وجدت فرصة العمل في مجال التعليم . وهكذا تغرب الغالبية منهم في البصرة أو في دول الخليج يحثا عن الرزق.
    حاول عبد الرزاق وهو أخو قاسم الأصغرترك لطلاطة قاصدا مدينة البصرة أن يجرب حظه في السفر أيضا وهو لايزال صغيرا وقد عجزت الأم الأرملة في إطعام كل الأفواه التي كانت لم تعرف الشبع يوما .
    كان يضحك دائم فلم يحزر أحدا قدر ألمه عندما روى لأمه ذات مرة كيف أن الذين عمل صانع عندهم في البصرة. يضعون مائدة الغداء ظهرا بعد ساعات من العمل الشاق . فتمتد العديد من الأيدي القوية إليها مسرعة . أما هو فكان يجد صعوبة في الوصول إلى قلب المائدة التي توسطتها سمكة مشوية تناهشتها أيدي الكبار. فيلملم ما كان على الأطراف منها في لقمته .
    وقبل أن يشبع بطنه يأمره الأسطى بجلب كوب من الماء ليدفع به الغصة . فيعود صاحبنا بالماء وعندها تكون المائدة أخليت تماما . فيأمرونه برفعها ليتكرر ذلك في اليوم التالي والذي بعده إلى أن هرب من عقاب ( تعلم الصنعة ) .
    كان الكبار يعودوا إلى اللطلاطة بالمناسبات محملين بالهدايا، والتي كانت تدخل القرية لأول مرة، فلم تعرف اللطلاطة السجاير مثلا، ولم يكن فيها من يدخنها أصلا، فكانت علب سجاير (بلايرس) المعدنية والتي يصرّ غالبيتهم على جلبها ريبما إعجابا بصورة البحار الملونة التي طبعت على العلبة بإتقان، تفرغ تلك العلب في اللطلاطة من السجاير لتتحول إلى صناديق لبعض الحلي ولوازم الخياط من أبر وخيوط وأزرة. أما السجاير فيفرغها الأطفال من التبغ وتتحول إلى فرارات.
    الكثير من الهدايا وخاصة المرسلة للعائلات فلا يعرف أحد طريقة استعمالها، فراحت النساء تلبس القمصان الداخلية الحريرية فوق الملابس ليتفاخرن بشرائط الدانتيلا التي تزين حواشيها، أما حمالات الصدر فكانت تستعمل في اللطلاطة كواقيات لرفع القدور الساخنة، وكان صبغ الأظافر يستعمل في الشعر أويستعمل كعطر، وعندما ما وصلت حبوب الفاصوليا أول مرة، قامت النساء بطحنها وأطعمها للأبقار.
    كان أحدهم قد جلب لأولاده (غراموفون) مع اسطوانات غربية مختلفة ، فأصبح مفخرة اللطلاطة الأولى، وراحت الموسيقى تسمع في القرية لأول مرة، ولكن أولاد ذلك الرجل كانوا يمنعون بقية الصبية من الاقتراب من الدار كي لا يستمعوا إليها. ولكن الحضارة أخذت تقتحم تلك القرية بإصرار مع الأيام.
    لم يعد يشغل حيهن وسكان اللطلاطة إلا مسألة الحصول على سندات ملكية الدور ( الطابو) بعد أن ازدهرت القرية وأصبحت محط أنظار الجميع.
    كانت رسوم التسجيل ( الطابو) تلك الورقة السوداء السحرية باهظة الكلفة في ذلك الوقت، وتتطلب معاملة خاصة في دوائر التسجيل العقاري في مدينة العمارة مركز اللواء.
    قام السكان بحملة تقشف لتوفير رسوم الطابو، والتي بلغت ثلاثة دنانير وسبعمائة فلس. و بعد أن جمع المبلغ، كلفت القرية قاسم بإيصال هذا المبلغ إلى أحد المعارف، والذي يسكن مدينة العمارة.
    بعثوا له مع قاسم الذي سيسافر إلى بغداد رسالة، وحلانة? من التمر النادر، وكيس من الكليجة، وكل الأوراق والوثائق المطلوبة.
    بعد أن وصل قاسم بمشقة إلى سوق العمارة في طريقه إلى بيت أبو علوان وحلانة التمر قد هدت كتفه وهو يجرجر بحقيبة سفره. وعند مروره بالسوق ، وبعد أن أجهدت الحلانة كتف سلمان، وزاد به العطش، استجاب لنداء بائع اللبن الذي افترش الدرب وسط السوق، فوقف بجانه، فكف هذا عن صراخه في منداته الغريبة على بضاعته ( ماي دجلة، ولبن عجله، واليشربه يشيل رجله)، شرب قاسم طاسة من لبن العجلة وكان نصفها من ماء دجلة، ودفع ثمنها ثم شال حلان التمر، وواصل البحث عن بيت أبي علوان.
    طرق قاسم الباب فاستقبلت الحلانة بترحاب كبير، وحل قاسم عندها ضيفا عزيزا في بيت أبي علوان. تسامر الرجل مع قاسم مرحبا به، وأخذ منه الدنانير وكافة الأوراق وتعهد له بأن ينجز المعاملة بسرعة، ويوصل السندات لأهلها قريبا بيده مباشرة إن شاء الله .
    نام قاسم ليلته تلك مطمئنا،فقد انزاحت الحلانة من على ظهره، والنقود وصلت للشخص المطلوب، ولم يبقى له إلا الحلم ببغداد ومباهجها وببنات بغداد.
    من الصباح الباكر غادر العمارة في سفرة طويلة وشاقة على متن حافلة تجر نفسها بصعوبة إلى بغداد. تلك كانت سفرته الأولى إلى خارج حدود العمارة.
    عاد قاسم إلى اللطلاطة بعد عدة شهور، ليقضي عطلته الأولى فيها، بعد فصل دراسي مرهق، قطع الدرب من قلعة صالح إلى اللطلاطة ماشيا بين البساتين، سارح بفكره يستعيد ذكرى أيام الطفولة، وعندما وصل القرية تجمع حوله جميع من كان فيها يومئذ، وحتى قبل أن يصل الدار، سائلين قبل كل شيء عن أوراق الطابو، وعن مصير النقود والأوراق التي أرسلت معه منذ عدة أشهر، وضحت الصورة لقاسم، ووضح سبب هذا الأستقبال الغاضب من سكان القرية له، بعد أن علم أن نقودهم قد تحولت إلى طابوق في واجهة بيت أبي علوان الجديد، في وسط العمارة، ولم يعرف مصير الأوراق بعدها.
    سببت تلك الحادثة ألما موجعا لقاسم، وإحراجا كبيرا لحيهن، وظلت اللطلاطة مسجلة في دوائر الطابو، ولا يملك أصحابها سندات التمليك إلى اليوم .
    لم يستطع قاسم الصمود في بغداد لأكثر من سنة بسبب فقره المدقع فعاد إلى قلعة صالح ليعمل معلما في مدرستها الوحيدة.
    عندها تبدلت الحال وتركت حيهن العمل الشاق واكتفت بحياكة (الهمايين) ولغرض المتعة وتمضية الوقت، وأخذت الأسرة تعتمد على الراتب الشهري الذي يتقاضاه قاسم من مديرية المعارف.
    عاد قاسم إلى قلعة صالح وقد غيرته بغداد. فعاد منها محملا بأفكار جديدة كانت هي السبب في هجرهم اللطلاطة والتشرد في القرى النائية، وفي معانتهم القادمة.
    ظلت حيهن تنتقل مع قاسم من قرية إلى أخرى حتى سكنت بغداد، بعد أن تزوجت ابنتها هناك، وبعد أن انتقل قاسم إلى بغداد ليدّرس في مدارسها. وهكذا حرمت حيهن من النعيم والأمن الذي كانت توفره لها اللطلاطة .
    لم تستمر أيام السعادة في بغداد طويلا، فقد أعلنت الأحكام العسكرية فيها، بعد مظاهرات صاخبة تحولت إلى وثبة عارمة كادت تطيح بالحكم، وأعتقل قاسم بسبب دوره فيها، وبسبب أفكاره التي ظل يبشر بها أينما حل. لقد كان قاسم أحد الدعاة المزمنين ل(جمهورية افلاطون) .
    جرت محاكمة قاسم في محاكمة سميت ب (محكمة النعساني)، والتي كانت مهزلة مضحكة وليست بمحكمة، فبعد أن جلبت مجموعة من المعتقلين وقاسم بينهم مقيدي الأيدي إلى تلك المحكمة، راح الحاكم ينطق بالأحكام على صف الشباب الذي اصطف أمامه، والذين لا يعرف أسماءهم حتى، وكان فيهم شابا طويل القامة وقف في الوسط،، فتليت الأحكام ، وكانت:
    من الطويل وإلى اليمين سبعة أعوام سجن مع الأشغال الشاقة، ومن الطويل وإلى اليسار، عشر سنين سجن مع الأشغال الشاقة، فحار الطويل في أمره، فسأل الحاكم مع من هو؟ فأعطاه القاضي خمسة عشر سنة سجنا مع الأشغال، وكان قاسم يقف على يسار الطويل، فكان نصيبه عشرة سنين، قضاها في سجن نقرة السلمان وسط صحراء السماوة.
    وهكذا عادت حيهن إلى الفقر من جديد، وعادت تصارع جوعها، ولكنها كانت الخاسرة في صراعها الجديد، بعد أن تبدل سلاح المعركة، فلا حصران ولا همايين في بغداد.
    دفعت الثمن غاليا من عوز وجوع، وحرمت صغارها من التعليم، ودفعتهم للعمل قبل أن يشتد عودهم، فراحوا يذرعون الشوارع بحثا عن لقمة العيش، والتي تطالعهم على خجل.
    إنتقلت عدوى الأفكار ( الهدامة) إلى أولاد سلمان الواحد بعد الآخر، وظلت حيهن تحمل همومهم إلى أن توفاها الله.
    =================================

    [right]

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين يونيو 18, 2018 3:47 am