المجر الكبير وواقع العراق في العهد العثماني ومابعده

    شاطر
    avatar
    علي كاظم الربيعي

    المساهمات : 304
    تاريخ التسجيل : 15/05/2011

    المجر الكبير وواقع العراق في العهد العثماني ومابعده

    مُساهمة  علي كاظم الربيعي في الأحد أغسطس 07, 2011 12:59 pm

    المجر الكبير وواقع العراق في العهد العثماني ومابعده
    ----------------------------------------------------------------
    كان العراق في العهد العثماني مقسما" إلى ثلاثة ولايات هي من الشمال إلى الجنوب :
    1- ولاية الموصل : وتشمل حسب التقسيم الإداري في العهد الملكي ألوية الموصل وأربيل وكركوك والسليمانية.
    2- ولاية بغداد : وتشمل ألوية بغداد ، بعقوبة (ديالى) ، الرمادي (الانبار حاليا")، الحلة (بابل ) ، كربلاء ، الديوانية (القادسية) ، والكوت (واسط).
    3- ولاية البصرة : وتشمل لواء البصرة ، الناصرية ( ذي قار) و العمارة (ميسان)
    وعند إقامة الحكم الوطني في العراق في عام 1921 تم استعارة تلك التقسيمات الإدارية بتسميات أخرى ، فصار يطلق على ولاية الموصل المنطقة الشمالية، وولاية بغداد المنطقة الوسطى ، وولاية البصرة المنطقة الجنوبية . واستمرت هذه التسميات التي لا معنى لها حتى وقتنا الحاضر ، وصارت سببا" لاثارة مخاوف من تقسيم العراق لدى الكثيرين ممن لا يعرفون العراق وشعبه ، ومن ضمنهم دول الجوار ، وذلك بدون أساس أو سبب واقعي للتقسيم.
    كان العثمانيون ينظرون إلى جميع سكان المناطق التي سيطروا عليها كمواطنين عثمانيين دون أخذ أي اعتبار للواقع القومي أو الديني أو المذهبي فالجميع بنظرهم عثمانيون وجميع المناطق التي تحت سيطرتهم عثمانية. لذلك لم يأخذوا بنظر الاعتبار الواقع السكاني من الناحيتين الدينية أو القوميه عند تقسيم دولتهم إلى ولايات ، فنجد أن ولاية الموصل تشمل قوميات متعددة عربا" وكردا" وتركمانا" وآثوريين ، مسلمين ومسيحيين ويهودا" ويزيديين.
    والطابع العام لولايتي بغداد والبصرة آنئذ أنهما ولايتان عربيتان يكون فيهما الدين الإسلامي دين الأكثرية الساحقة، ثم تأتي الأديان المسيحية واليهودية والصابئية موزعة هنا وهناك بنسب متفاوته إضافة إلى قوميات أخرى كالكردية والتركمانية والآثورية والأرمنية. وتمثل هذه القوميات أقليات في هاتين الولايتين ومن المدن الموجودة ايام الحكم العثماني ::::::
    ==================
    المجر الكبيرمدينة قديمة وقد ذكرها الرحالة الشهير (سباستياني) في رحلته عام 1656م، تحدث عن العمارة والمنصورية وربما جزر مسكونة، وفي العام نفسه تحدث عنها الرحالة (فنشو) وبعده مر بها الرحالة (تافرنييه) . وكانت ناحية مهمة تابعة إداريا إلى قضاء قلعة صالح وقد مصرها العثمانيون في العام 1876 ميلادي في موقعها الحالي كما اسلفنا ناحية تابعة الى قلعة صالح وموقعها الجغرافي المطل على ضفاف نهر دجلة . و كثرة المياه فيها والذي يوفر المناخ الملائم للزراعة التي تمثل عاملاً أساسياً ومهماً في ذلك الزمان واهوارها الرائعة والتي كانت محط انظار الرحالة من شتى بقاع العالم والغنية بالنباتات والقصب والبردي الذي يعتبر المادة الاساسية في انشاء البيوت في ذلك الزمن والغذاء الاساسي للحيوانات شجع الكثير من الناس السكن فيها وكانت مقسمة الى مقاطعات ملتزمة من قبل الشيخ مجيد واخوانه واولاده ومنها مقاطعة الكشاشية ومقاطعة الاعيمي والجندالة والرقاصة والنكارة والمسراح والوادية وغيرها ......
    ان الحياة الزراعية في الجنوب مرت بثلاث مراحل في مجرى تقدمها أولا "" بدأت في اوائل عهد استيطان السومريين الاصليين وتوطيد حياتهم الزراعية البدائية في منطقة الاهوار ، والمتفق عليه ان هذه المنطقة شبه البطحائية في جنوب العراق ، وقد كان سكان تلك المناطق من القلة بحيث لم يستطيعوا ان يمارسوا الزراعة على نحو واسع فاستغلوا ما هيأته لهم الطبيعة وبذلك اقتصرت على الاستفادة من سواحل الهور وجزره واحراشه المنتشرة لسكناهم وإعاشة ماشيتهم ، فكانت الادغال في المستنقعات والجزر ونباتات القصب الطري المواد التي تكون الغذاء لماشيتهم وكانت سيقان القصب هي مادة البناء لمساكنهم ، وكان السمك ايضا غذائهم الرئيسي كما هو عليه اليوم بالنسبة لسكان الاهوار في جنوب العراق ، وعلى هذا الاساس فقد مارسوا الزراعة بمعيار غير محدد وبشكل بدائي من ارواء ومن دون الاستفادة من رطوبة الارض في الزراعة وهي الطريقة المتبعة في بعض المناطق الاخرى من وادي الرافدين وهي طريقة ( الري الحوضي ) وهناك من الدلائل على ان ( النخل ) كان موجودا في تلك المناطق على ضفاف الانهار والجداول ، كما دلت الاكتشافات الاخيرة على ان ( الجاموس ) الذي كان يوجد في مناطق الاهوار الحالية كان موجودا منذ عهود زمنية طويلة وهو يؤلف اهم مورد اقتصادي لسكان الاهوار حيث كان موجوداً في ( أهوار ومستنقعات جنوب العراق )منذ اقدم الازمنة في حالته الوحشية وفيما بعد ( دجن ) في منتصف الالف الرابعة قبل الميلاد .
    كما استطاع السومريون ان يجعلوا من ( الثور الوحشي ) ذي القرون الطويلة الملتوية والضأن حيوانات داجنة بالاضافة الى الطيور ، كما يؤكد الدكتور احمد سوسة رأي الدكتور ( جارلس ريد )استاذ علم الحيوان في احدى الجامعات ( الاميركية ) الذي اكتشف في ( الوركاء ) الناصرية بجنوب العراق ما يدل على ان ( الاغنام والابقار والماعز ) قد دجنت هناك بحدود عام ( 4000 ق.م ) اما طريقة التدجين فيرى الدكتور ( جارس ريد ) انه من الممكن ان بعض الحيوانات الاولى كانت تؤخذ صغيرة وترضع كالطفل من ثدي النساء المرضعات ولما كانت تؤخذ صغيرة فيصبح من السهل تربيتها بإطعامها من الحليب المتوفر . والبساتين الواقعة في ( المجر الكبير ) قد جسدت بوجودها واقعا اجتماعيا وزراعيا هاما ، ومن خلال مشاهدة تلك البساتين الواسعة في الريف يمكننا القول ان تلك المقاطعات احرزت جانبا مهما في استكمال الرؤية الواضحة لجمال الريف اضف الى ذلك سحر الريف المتمثل في جمال الاهوار ، ففي تلك المناطق نشاهد هنا وهناك مسميات عديدة للاهوار المنتشرة مثل ( هور الصحين ) في المجر الكبير
    و ممرات مائية لهم في حالات الصيد وغيرها ولم يقتصر وجود تلك الاهوار على كونها اهوارا فحسب بل انها كانت مركزا سياحيا هاما لجميع المقاطعات المجاورة وفيها يتحدد جمال الطبيعة الخلاب الذي يرفد الحياة بنسيمه العذب ومياهه الزرقاء الصافية التي تجوب فيها الاسماك القادمة من اماكن بعيدة ، واسراب الطيور ، كما تفوح الزهور المختلفة بعطرها النفيس من كل جانب ومكان ، ففي اعماق الهور نرى المجاميع الكبيرة من الاسماك وهي تجوب المنعطفات والخلجان وتبحث عن غذائها في عمق الطبيعة الامنة .
    وللحقيقة نقول ان معظم ملتزمي الاراضي من الاقطاع او الشيوخ او التجار المزارعين يدفعون نظام ( الكودة ) للحكومة العثمانية وكان ذلك في عهد ( وادي ) جد عريبي وما قبله ( خليفة ) لذلك فنحن نعلم ان محمد بن عريبي بن وادي ومجيد بن خليفة ومشتت بن خليفة ووالد الشيخ مجبل جميعهم ( من عشيرة البو محمد ) هم مستوطنون في مناطق الجنوب في عهد السيطرة العثمانية وكذلك ( رؤساء السواعد ) وقبيلتهم الواسعة الانتشار ( في نهر المشرح ) فانها كانت تعيش ايضا ضمن الواقع المحلي ولها نظام مماثل في حيازة الارض وتدفع ايضا ( نظام الكودة ) مع بقية القبائل مثل ( آل ازيرج ) وبني لام ( في عهد غضبان البنية ) والشيخ ( مطلق السلمان
    ساد الاقطاع العسكري في العراق أبان العهود البويهية والسلجوقية والزنكوية والايوبية والايلخانية .. وتطور الاقطاع العسكري الى اقطاع وراثي للارض وفي العهد العثماني توزع التقسيم الاقطاعي الى خاص وزعامات وتيمار الى ان الغته الدولة العثمانية عام 1839 ليحل محله قانون الاراضي العثماني عام 1858 .. الا ان القانون لم يطبق في العراق الا في زمن مدحت باشا ( 1869-1871) ، واشتريت السندات من قبل التجار والموظفين وبعض الشيوخ المتنفذين .. وفي عهد الاحتلال البريطاني استقدمت الحكومة الخبير البريطاني بالارض ( آرنست داوسن ) الذي قدم تقريرا عام 1931 اعتبرته السلطة اساس الاصلاحات الزراعية ، وتضمن التقرير تقسيم الاراضي بين افراد العشائر حسب تصرفهم الفعلي فيها وحسب العرف القبلي اي ان يعطى للشيخ الخمس والباقي توزع على افراد العشيرة .. بعدها شرعت الحكومات الملكية جملة قوانين مستندة على تقرير داوسن(
    جاءت الضربة التي تلقتها العلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية وبالتالي وزن ودور الشيوخ من الإقطاعيين وكبار ملاكي الأراضي الزراعية في أعقاب ثورة تموز عام 1958 وتسلم السلطة من قوى وقفت من حيث المبدأ ضد الإقطاعيين وهيمنة المشايخ على الفلاحين وصدور قانون الإصلاح الزراعي رقم 30 لسنة 1958 والبدء بتوزيع الأراضي على فقراء وصغار الفلاحين. لم تملك 85% من العوائل الريفية حتى ثورة 14 تموز شبرا واحدا من الارض في حين ان 1% من العوائل الريفية امتلك ثلاثة ارباع الاراضي !.وبقي فقراء الفلاحين هم المرتبة او الطبقة الاشد ثورية في الريف ولا يفتقرون الى الارض وحسب بل يفتقرون ايضا الى الرأسمال " النقود وادوات الانتاج".وحسب احصاء 1957 كان لكل 6 عوائل فلاحية حصان واحد اي سدس حصان لكل عائلة .. وكان مابين 60%- 70% من مجموع العوائل الفلاحية لا يملك حصانا واحدا او بغلا او حتى حافرا!.. كان تملك الفلاح او عدم تملكه لحيوان حراثة قوي يمكن ان يتخذ مقياسا لتصنيفه من مرتبة فقراء الفلاحين او اغنياءهم او متوسطيهم الى جانب المقاييس الاخرى .. لقد استغلت في زراعة ما قبل 1958 (2712 ) ساحبة و( 1056 ) حاصدة دارسة وآلاف الآلات الزراعية مما اسهم في تفكيك العلاقات الابوية الا ان انتشار الوعي السياسي بين الفلاحين فجر غضبهم على الاقطاع لا الآلة فايدوا الاصلاحات الزراعية ومن اهم القوانين التي صدرت والتي لها علاقة مباشرة بالأرض والإقطاع والفلاح هي :::::
    نظام دعاوي العشائر لسنة 1918 وتعديلاته .
     قانون تحديد وتسجيل الاراضي رقم 24 لسنة 1920.
     قانون الجمعيات رقم 27 لسنة 1922.
     قانون تمليك وتحديد الاراضي الاميرية في القرى والقصبات رقم 84 لسنة 1926.
     قانون تمليك الاراضي الاميرية المغروسة رقم 15 لسنة 1927 .
     قانون اللزمة رقم 51 لسنة 1932.
     قانون تسوية حقوق الاراضي رقم 50 لسنة 1932.
     قانون حقوق العقر رقم 55 لسنة 1932 .
     قانون حقوق وواجبات الزراع رقم 28 لسنة 1933.
     قانون تشييد القرى الحديثة رقم 70 لسنة 1936 .
     قانون تسوية حقوق الاراضي رقم 29 لسنة 1938.
     قانون اطفاء ضريبة الارض رقم 20 لسنة 1939.
     قانون بيع الاراضي الاميرية رقم 11 لسنة 1940 .
     قانون تفويض الاراضي الاميرية لسنة 1941.
     قانون الجمعيات التعاونية رقم 27 لسنة 1944.
     قانون اعمار واستثمار الاراضي الاميرية رقم 43 لسنة 1951.
     قانون بيع الاراضي الاميرية رقم 11 لسنة 1954 .
    لقد سجل القانون رقم 30 لعام 1958 بداية جيدة لمسيرة الإصلاح الزراعي... إلا ان السنوات التي أعقبت صدور القانون شهدت تراجعا خطيرا في تطبيق فقراته، او تجاوزا عليها في كثير من الأحيان مما أعطى الفرصة للملاكين الكبار للالتفاف على القانون وإفراغه من محتواه. وأسهمت أجهزة الزراعة والإصلاح الزراعي التي ترتبط مصالحها بالإقطاع من تحقيق تلك الأغراض للعودة بالريف الى ما كان عليه أيام العهود السابقة. واصطدم تطبيق القانون رقم 30 لسنة 1958 بالمقاومة الضارية من كبار الملاكين الذين لجأوا الى كل سلاح بما فيه اغتيال انشط المناضلين من الفلاحين حتى بلغ عدد القتلى العشرات . ولجأوا الى تخريب الانتاج وخاصة في الاراضي الخاضعة للاصلاح – فوق الحد الاعلى – والتي لم يتم الاستيلاء عليها بل بقيت ادارتها بايدي الملاكين بالامتناع عن التسليف وتجهيز البذور كليا او جزئيا . لقد رزخ الفلاح تحت وطأة الديون الحكومية مما دعاه الى ترك الأرض والهجرة الى المدن بسبب سلبيات القانون رقم 30 رغم الصراع الساخن بين الاغوات والشيوخ القدامى وبين الفلاحين المستفيدين من تشريعاته وتعديلاته … ولم يكن اتحاد الجمعيات الفلاحية المشكل وفق القانون رقم 139 عام 1959 سوى اتحادا لكبار مالكي الارض والشيوخ القدامى عرقل عمليا تنفيذ القانون رقم 30 . اضافة لذلك لم يقدم القانون رقم 30 العلاج لحل مشاكل الفلاح المنتج كالتقاليد البالية والمفاهيم المخطوءة والقيم العشائرية ، ومشاكل السلوك وضعف القدرات والنشاط وسوء التنظيم وتخلف المستوى التكنولوجي .
    في عام 1960 اعتبرت عائلتا الجاف والشيخ محمود البرزنجي من العوائل ال(13)الاقطاعية الاكبر في العراق،الى جانب عائلة الملك المزاح وعوائل اخرى منها(آل ياسر،الفرحان،الامير،الجلبي،القصاب،الياور،الخضيري،آل مرجان،آل جريان،السهيل .. ).
    في عام 1961 شرعت القوانين 17 ، 61 أعطيت بموجبها للسراكيل حقوق خاصة وللملتزمين حقوق خاصة أيضا وفي عهد الأخوين عارف اتخذت جملة إجراءات لصالح الإقطاعيين وكبار ملاكي الأراضي الزراعية لكنها لم ترتق بدور الشيوخ وكبار ملاكي الأراضي الزراعية إلى مستوى الفترة التي كان عليها نفوذهم في العهد الملكي. من إجراءات العهد الجمهوري الاول في دعم الاقطاع والعشائرية كانت قوانين .. اتحاد الجمعيات الفلاحية المرقم 139 لسنة 1959 ...الإقرار بحقوق خاصة للسراكيل والملتزمين المرقم 17،61 لسنة 1961 .... تحويل الأراضي الأميرية الى ملك صرف المرقم 199 لسنة 1964 و المرقم 16 لسنة 1965 .
    لقد أخذ القانون رقم 30 بحد الألف دونم في الأراضي المروية وألفي دونم في الأراضي الديمية مع الأخذ بمبدأ التعويض عن الفائض عن الحد الأعلى يدفع للمالك بأقساط تؤخذ من الفلاحين المستفيدين...لكن القانون 117 لسنة 1970 وقانون رقم90 لعام 1975 الخاص بتنظيم الملكية الزراعية في كردستان وصودرت بموجبهما الارض الزائدة عن الحد الاعلى من الملاكين من دون تعويض وعدم السماح لهم بالاختيار، ووزعت على شكل قطع صغيرة للفلاحين تنفيذاً لمبدأ (الارض لمن يزرعها) وانتعشت المكننة الزراعية في القطاعين الخاص والعام. كما التزمت التعاونيات الزراعية بتسويق الحاصل من الحبوب الاستراتيجية ( الحنطة، الشعير، الذرة الصفراء، الشلب، القطن والصوف) وحسب الخطة التي تضعها وزارة الزراعة
    لقد عملت السلطة العثمانية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر على تشجيع استقرار العشائر ذلك ان قبائل الرحل كانت تهدد الأمن وتعيث بالأرض فسادا في حين ان المزارعين المستقرين هم اميل الى احترام القانون والخلود الى الحياة الهادئة بعيدا عن الغزوات والحروب التي لا تنتهي سواء بين القبائل البدوية نفسها او مع السلطات المركزية او قيامها بإقتحام المدن وسلبها ونهبها حتى المقدسة منها.
    في عام 1706 هاجم حسن باشا بعض القبائل العابثة والتي هاجرت الى العراق منذ سنوات قليلة وبعد عدة سنوات من المعارك افلح في اقناع بعضها على الإستقرار ومنها شمر طوقة التي استقرت فيما بعد بالمنطقة الواقعة بين ديالى والكوت في حين استقرت عشيرة المسعود في المنطقة القربية من كربلاء والمسيب.
    وقد تم شق قناة الهندية في نهاية القرن الثامن عشر لتوفير المياه لمدينة النجف من ناحية وللمساهمة في استقرار العشائر من ناحية ثانية. حيث استغرق شق هذه القناة الفترة منذ ثمانينات القرن الثامن عشر وحتى عام 1803 بتمويل من الشيعة الهنود لذلك سميت الهندية. ولكن هذه القناة لم تساهم فقط في ازدهار مدينة النجف في القرن التاسع عشر بل وساهمت في احداث تغيرات اجتماعية وبيئية مهمة في جنوب العراق ووسطه. وكانت تتفرع من الفرات في منطقة تبعد عدة كياومترات جنوب المسيب. وبعد سنة 1860 بدأت تستنزف مياه الفرات بشكل تدريجي واخذ القسم الأعظم من مياه الفرات يتدفق في مجرى الهندية مغيرة مجرى نهر الفرات.
    وفي عام 1890 اقام العثمانيون سدا على مجرى النهر بهدف زيادة حصة نهر الحلة ولكن هذا السد فشل بالكامل بل انه بحلول عام 1903 تسبب في توجيه كل مياه الفرات باتجاه قناة الهندية وبجفاف شط الحلة بالكامل تقريبا.
    لقد كان لتغير مجرى النهر اثار اقتصادية واجتماعية خطيرة حيث اخل بالتوازن المائي التقليدي بين فرعي النهر الشرقي والغربي وادى ذلك الى هجرة سكانية واسعة من الديوانية والحلة والسماوة باتجاه فرع الهندية. ومن هذه العشائر بني حسن وبني مالك وبني زريج وخفاجة وال علي وال فرج والعوابد والحميدات وال ابراهيم وال فتلة وقريط. كما ان بعض العشائر هاجرت باتجاه العمارة والكوت، فقد جف نهر الحلة والديوانية ونهر الدغارة وعفك والفوار. ولم تعد المياه الى شط الحلة وشط الدغارة الا بعد استكمال بناء سد الهندية عام 1913 باشراف المهندس الإنكليزي (يلكوكس) وبذلك عادت بعض العشائر التي هاجرت في حين استقر القسم الاعظم في الأماكن التي هاجرت اليها.
    ان كيان عشائر العراق لم يكن دائما موحدا وثابتا، فقد انشطرت قبيلة زبيد الى عشائر متعددة منها في نهاية القرن السابع عشر اتحاد عشائر الدليم واتحاد عشائر البو محمد والبو سلطان والجحيش. ثم انبثقت عشيرة كعب من ربيعة وعشيرة العبيد من العشائر الحميرية القديمة. ويعتبر الخزاعل وبني لام من العشائر التي انبثقت من قبيلة طي. وكانت قد سبقتها الى ذلك بقرون عشيرة شمر بفرعيها (شمر طوقة وشمر جربه). كما انبثقت من قبيلة شمر جربه عدة اتحادات عشائرية منها اتحاد عشائر شمر في عفك واتحاد عشائر الأقرع في الدغارة.
    خلال القرن التاسع عشر استقر قسم كبير من عشائر العراق واتجه نحو ممارسة الزراعة على نهري دجلة والفرات وفروعهما. وفي حين ان عشائر بني تميم وفروعا من شمر والدفافعة وبني عامر قد اظهرا ميلا للإستقرار خلال ولاية داود باشا اخر ولاة المماليك ( 1816 – 1831) فإن استقرار باقي العشائر ازداد بعد ان تزايدت سيطرة العثمانين المباشرة على العراق وتشجيعهم المزيد من العشائر على الإستقرار والإتجاه نحو الزراعة . وفي الوقت الذي كانت فيه نسبة البدو الرحل في العراق هي 50% من مجموع الشكان انخفضت هذه النسبة لتصل الى 19% فقط عام 1905.
    لقد ازدادت عملية التمدن (تشكيل المدن) خلال الشطر الأخير من القرن التاسع عشر على ضفاف النهرين (دجلة والفرات) ومنها مدينتا العمارة والناصرية بعد ان كانتا قرى صغيرة. على الرغم من ان هناك مدن تأسست منذ القرن الثامن عشر مثل السماوة والديوانية والحي والزبير وسوق الشيوخ.
    لقد كان ارتباط العشائر بالأرض والمياه واستحداث مبدأ التسجيل العقاري (الطابو) في العهد العثماني الأخير بداية لتشكيل نمط جديد من انماط الملكية الزراعية هو النظام الإقطاعي وتحولت بعض بيوت رؤساء العشائرالى بيوت اقطاعية كبرى مثل بيت الياسين رؤساء عشيرة المياح الذين اصبحوا من كبار الإقطاعيين في الحي وبيت السعدون رؤساء المنتفق في الناصرية وكذلك الأمر بالنسبة الى بيت الحبيب رؤساء ربيعة في الكوت وبيت الجريان رؤساء البو سلطان في الحلة...الخ.
    وعلى الرغم من ان طابع العلاقة قد تغير بين ابن العشيرة ورئيس العشيرة بالنسبة الى بعض العشائر حيث تحول رئيس العشيرة الذي استفاد من قانون الطابو العثماني وتحول الى اقطاعي وبذلك اصبحت العلاقة هي علاقة الفلاح المعدم بالمالك ، فإن الأغلبية من العشائر بنت العلاقة على اساس صلة الرحم والدم وابناء العمومة بين ابن العشيرة وشيخ العشيرة على الرغم من امتلاك الأخير للأرض.
    كانت سياسة الانكليز تتجه إلى تمليك رؤساء العشائر وجعلهم ورقة ضاغطة في يدها ولهذا قطع لهم مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية واصدر بهذا الخصوص قانوناً سمي بـ(قانون اللزمة)عام 1932. في الوقت الذي كتب الدكتور عبد الجليل الطاهر في مقدمة كتابة الموسوم بـ(العشائر والسياسة) واصفاً بان العشائر والإقطاعيين في جنوب ووسط العراق كانوا صنيعة الاحتلال البريطاني. وحسب قول الدكتور علي الوردي: ((إن الإقطاع في العراق حديث النشأة. فهم لم يكونوا في العهد العثماني على الحال التي نشهده اليوم (فترة حكم الانكليز للعراق) والسر في ذلك هو ما قامت به الحكومات الحاضرة من مسح الأراضي وتسجيل الحقوق فيها... كان شيخ العشيرة في زمن الدولة العثمانية زعيماً لقومه يقودهم في الحرب ويرعى شؤونهم في السلم... ومشيخته مستمدة من طاعة العشيرة له واحترمها إياه. فإذا ظلم قومه أو استغلهم في مصلحته الخاصة(وهذا نادر جداً) نفروا منه واتبعوا أحد منافسيه من إخوته أو أبناء عمه.))
    أما في فترة حكم الانكليزي للعراق وبعد أن تم توزيع الأراضي على الشيوخ وسجلت بأسمائهم ((فقد تبدل الحال تبدلاً كبيراً. أخذ الشيخ يشعر بأن الأرض أصبحت ملكاً خاصاً له، وهو قادر على استغلالها والتمتع بثمراتها ما دامت الحكومة راضية عنه. ومن هنا صار يترك أرضه بيد وكلائه ثم يذهب إلى العاصمة يسكن فيها ويتزلف إلى حكامها إن الشيخ صار بعبارة أخرى بمثابة السيد الإقطاعي الغائب عن أرضه، وبعدت الشقة بينه وبين أتباعه. فلقد أهمل وظيفته الاجتماعية القديمة في القبيلة... واتخذ بعض الشيوخ لأنفسهم جلاوزة يسوسون رعاياهم ويجيبون منهم المغارم على شكل لم يعهده الريف العراقي من قبل وهؤلاء الجلاوزة العشائريون يعرفون بأسماء مختلفة حسب المناطق التي يعيشون فيها. ففي منطقة العمارة مثلا يطلق عليهم اسم(الحوشية) وفي الفرات الأوسط يعرفون باسم(الصبيان) وفي المنتفق يسمون بـ(الغلمان) وأمسى الفلاح يعاني منهم أشد مما يعاني من جلاوزة الحكومة وجباتها)) ولكن الدراسات الحديثة تؤكد بأن الانكليز قاموا بـ((بث الحياة في المؤسسة العشائرية من خلال تشريع نظام حسم المنازعات المدنية والجزائية بين أفراد العشائر وفق العادات والتقاليد العشائرية الذي طبقه السير هنري دوبس عام1918) ......
    والمجر الكبير كمركز في العهد العثماني وبعد الاحتلال الانكليزي كان عبارة عن سوق كبير لتجار الحبوب والمطاحن وصناع الادوات التي لها علاقة مباشرة في الارض والفلاح كالمسحاة والمحراث والفدان والمنجل وصناعة القوارب والمشاحيف والندافة والعطارية وبيع المنتوجات من الزيوت والخضروات واللحوم الحمراء والاسماك وكانت المدينة موطنا لاصحاب الحرف والمهن الاخرى فتجد التاجر والمعلم والنجار والعطار والعتال والكورجي والموطف الصحي والبيطري والبزاز والحتات والنداف والبناء والصفار والخياط وصانع العباءة العربية ومامور الكمرك ومامور البلدية والشرطي ومامور المركز وفيه دور خاصة لاستراحة الاقطاع الكبار وكان المجر الكبير بعد تمصيره من قبل الدولة العثمانية روضة خضراء كثيرة البساتين والاشجار المثمرة واشجار الزينة وكانت شوارعها جميلة ونواديها ومقاهيها عامرة وحدائقها غناء وكان لطيب هوائها وطيب اهلها اثر بالغ في نبوغ الكثير من ابنائها فى شتى علوم الحياة فتجد الاديب والعالم والطبيب والمهندس والمعلم والفقيه واهل الحل والعقد في ارضها اضافة الى الحركات السياسية المتنوعة الاتجاهات وخاصة الاسلامية ................
    -------------------------------------------

    [right]

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت نوفمبر 18, 2017 4:39 pm