الغناء في جنوب العراق ايام زمان .....

    شاطر
    avatar
    علي كاظم الربيعي

    المساهمات : 304
    تاريخ التسجيل : 15/05/2011

    الغناء في جنوب العراق ايام زمان .....

    مُساهمة  علي كاظم الربيعي في الإثنين مايو 16, 2011 9:51 am

    يصعب على المرء الذي لا يعرف شيئا عن
    الريف وضواحيه ان يتخيل مبلغ ما يسود القرية في الريف من النشوة والمرح في
    مناسبات عديدة ، ولا ريب في ان جهل المرء لبعض الامور في الريف هو السبب في
    انتشار بعض الترهات والاوهام عنه ، وانه ليصعب على مثل هذا المرء ان يتخيل
    عظمة الطبيعة الساحرة ، فكيف يتسنى لفلاح تلقي قلة موارده على حياته ظلا
    من
    الكآبة ان يختلس لحظات من حياته يستسلم فيها للمرح والحبور ؟ وفضلا عن
    انتقال ذهنه الى التهذيب والتشذيب فقد جعل منه ايضا انسانا رقيقا لطيف
    المعشر منطلقا في طبيعته ، ففي الريف تنطلق الفرحة الى صميم النفوس ويعكسها
    طرب المغنين الذين استمدوا ذلك من واقعهم الريفي المرتبط بطبيعتهم
    واحوالهم ، لان الذي اعلمه هو ان الغناء الريفي تغلب عليه اللوعة وتشيع فيه
    الشكوى ولم يكن غناؤهم هذا الاّ تنفيسا للمعاناة الشديدة التي كان
    الفلاحون يعانونها ، لذلك فقد برز ذلك الغناء بجميع الوانه وظهرت فيه الوان
    جديدة وترانيم كثيرة اختص بها العديد من المغنين ، ومن ضمن الوانه
    الغنائية الشائعة ، المحمداوية ، والابوذية ، والبستة ، والحياوي ، والموال
    ، والركبانية ، التي ترتبط هي ايضا بواقعهم الاجتماعي المميز .
    ومن المغنين في الريف السيد فالح الذي اشتهر في ركبانية (المرحوم جاسم بن
    محمد ) وعبادي وآلوس ، والمغنون كريري ، ومجيس ، والسيد محمد ، واغويض ،
    وكرز ، والعيبي ، وخليف بن لازم ، فضلا عن مشاهير المغنين الاخرين الذي
    كانوا يزورون الريف ، بين حين واخر ، امثال المغني ( داخل حسن ) الذي كان
    له علاقة وثيقة مع فالح بن مجيد بن خليفة وكذلك المغني شهيد كريم
    وغيرهم .
    ففضلا عن بساطة معيشتهم وفقرهم ، نجد ان حياة القرية لا تخلوا من جوانب المرح المتصل بعظمة الطبيعة الساحرة .
    واذا توغلنا في حياة الفرد الريفي في وسط تلك الاماكن النائية بجنوب
    العراق نجدهم جميعا وهم قد شيدوا لهم بيوتا من القصب مصطفة على ضفاف
    الانهر لتقيهم شر الطبيعة القاسية وهذه كانت حياتهم وحياة اسلافهم على مر
    السنين ، وبمرور الزمن وحتى السنوات الاخيرة من عصرنا الحالي اي اعتاد
    معظمهم على تجديد بيوتهم سنويا من الداخل والخارج ولربما يعود ذلك الى
    التكيفات التي طرأت عليهم ، كما ازداد اهتمامهم بتشييد المضايف التي كانت
    تقام بجانب هذه البيوت .
    وفي مناسبات عديدة نجد الانسان الريفي يلغي اي حواجز مع جيرانه
    واي فواصل مسيجة ، وهذا يعود بالطبع الىالحياة الريفية ذات العلاقات
    الاجتماعية الخالصة والخالية من اي لون من الوان التعقيد ، وهم جميعا لا
    يظهرون اي اهتمامات بالمظاهر الخارجية لمساكنهم ، فالفلاحون يزاولون
    اعمالهم اليومية في وسط الحقول ومن ثم يهجعون الى بيوتهم وقت المساء ، وهذه
    الاوقات هي التي كانت تزيد من اهتماماتهم في علاقاتهم الاجتماعية وكانت
    الماشية تهجع ايضا بالقرب منهم ، وكثيرا ما كان الفلاحون لا يطمئنون عليها
    الا اذا كانت بالقرب منهم .
    ولابد من الاشارة هنا الى بعض المظاهر الفنية التي دخلت في حياة الريف
    وابرازها وهي المضايف ، ان تشييد المضايف لم يكن الاّ تعبيرا حيا لواقعهم
    الاجتماعي ايضا .
    ان الصورة الفنية التي يتم فيها تشييد المضايف تعد ايضا جزءا من تراثهم
    الاثري ورمزا للظواهر الاجتماعية والثقافية التي كانت بمثابة عرفهم
    وتقاليدهم
    في رحلتهم الفكرية والنفسية على مر السنين ، وتجري في المضايف مختلف
    الاحاديث عن امورهم العامة والخاصة ، كالتدوال في امور الزراعة ، وامور
    الغناء والشعر وفي ذكر الاخبار التاريخية والامور الدينية والاقتصادية
    لجيرانهم واسلافهم من الملاكين وبعض الشخصيات الهامة في الريف .
    وكثيرا ما كانت تتصدر الامور هي الاحاديث الزراعية ، فذهاب الفلاحين الى
    المضايف كان يعد واجبا مهما بالنسبة للفلاحين ويذهبون اليهم بألبستهم
    الجيدة ، وحينما يدخلون يرمون التحية على الجالس ثم ترد لهم التحية ،
    وبعدها تدار فناجين القهوة على الجالسين حسب الاعراف الاجتماعية الموروثة ،
    وهناك تقاليد اخرى موروثة ففي ايام الاعياد يذهب معظم الفلاحين الى
    الملاكين لزيارتهم في مناسبات الاعياد وبعد تقديمهم التهاني لهم يقومون بعد
    ذلك بوضع مبالغ نقدية بسيطة في داخل الفناجين للشخص الذي يبيع القهوة ،
    وفي مناسبات كثيرة يقوم الفلاحون بابراز المشاعر والعواطف عن طريق نشر
    البيارق امام المضايف في حالات الاعراس او التطوع للذهاب الى محاربة بعض
    القبائل المتاخمة لهم ، او في حالات انهاء المنازعات بين
    القبائل ، فكان الفصل لا يتم احيانا الاّ في داخل المضايف وامام رؤساء المقاطعات اي ( الملاكين ).
    المصدر //

    اهل الريف في الجنوب

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة ديسمبر 15, 2017 3:20 am